مع فقدان النظام الإيراني تدريجياً لقاعدته الاجتماعية والشعبية، ستخضع أرقام إقبال الناخبين على الانتخابات الرئاسية القادمة للتدقيق الشديد. في عام 2021، فاز إبراهيم رئيسي في انتخابات تميّزت بمعدل امتناع قياسي بلغ 51% (مقابل نسبة امتناع 27% فقط عام 2017).

واستمر هذا الاتجاه التصاعدي في الانتخابات التشريعية في مارس (آذار) 2024، التي شهدت نسبة امتناع نحو 60% من الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم.

وبالنسبة للسلطات الإيرانية، فإن القضية الرئيسية باتت الآن هي استعادة المشاركة الانتخابية، كما يشير برنارد هوركيد، مدير الأبحاث في المركز الوطني للأبحاث العلمية، والخبير في الشؤون الإيرانية. ومن هذا المنظور، فإن تنحية الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد (2005-2013) عن الترشح مجدداً قد لا تكون استراتيجية جيدة للنظام، نظراً لشعبيته في الداخل.

ويرى هوركيد في تقرير للمركز الوطني للبحث العلمي، وهو أكبر منظمة أبحاث حكومية في فرنسا وأكبر مركز أبحاث علوم أساسية في أوروبا، أن القاعدة الشعبية للنظام الإيراني قد تفككت مع مرور الوقت، وهو يجاهد اليوم لاستعادة بعض منها.

غضب شعبي ونسب تصويت منخفضة

وحول ذلك، تقول كاميل ستينو الكاتبة والمحللة السياسية في يومية "لا كروا" الفرنسية، إنه وبعد اعتماد ستة مرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقررة في 28 يونيو (حزيران) الجاري، والتي تمّت الدعوة إليها بعد وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في حادث طائرة هليكوبتر مؤخراً، فإن نسب المشاركة تعتبر مسألة أساسية لاستعادة شرعية معينة بعد الثورات والانتفاضات الشعبية التي هزّت نظام طهران في الأعوام الأخيرة. وتدل نسب التصويت المتدنية على الغضب الشعبي الكامن، وعدم الرضا عن السياسات الداخلية والخارجية للنظام.

ومن بين 80 مرشحاً للانتخابات الرئاسية الإيرانية، وافق مجلس صيانة الدستور على ستة مرشحين، خمسة منهم من المحافظين المعروفين، هم مصطفى بورمحمدي رجل الدين ووزير الداخلية السابق، سعيد جليلي المفاوض النووي السابق المحافظ للغاية، علي رضا زاكاني عمدة طهران، أمير حسين قاضي زاده هاشمي نائب الرئيس المحافظ ورئيس مؤسسة شؤون الشهداء والمحاربين القدامى محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني، إضافة للنائب ووزير الصحة السابق مسعود بزشكيان المرشح الوحيد الذي تمّ تصنيفه على أنه إصلاحي.

استعادة بعض الشرعية

وتنقل ستينو عن هوركيد، قوله إن استبعاد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد ليس بالضرورة استراتيجية جيدة، نظراً لشعبيته، بينما يأمل القادة الإيرانيون بالمقابل في زيادة مشاركة الناخبين من خلال السماح بترشيح إصلاحيين لاستعادة بعض من شرعية النظام المتدهورة.

وإذا كان الهدف من وجود المرشح الإصلاحي مسعود بيزشكيان العمل على تخفيض نسب الامتناع عن التصويت، إلا أنه ليس المفضل لدى المرشد الأعلى علي خامنئي الذي يميل إلى المرشحين المحافظين مثل سعيد جليلي، ومحمد باقر قاليباف الأقل تقديراً من قبل رجال الدين كونه ليس متديناً رغم مكانته المميزة في الحرس الثوري.

ويُؤيّد ذلك أيضاً، تييري كوفيل، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية والخبير في الشأن الإيراني، حيث يرى أنه "من خلال السماح لمرشح إصلاحي، يأمل القادة الإيرانيون في زيادة نسب المشاركة في الانتخابات". لكنه يدعو لعدم المبالغة في تقدير الأزمة الحالية للنظام، فمنذ ثورة عام 1979، ما زالت إيران تعاني دائماً من الأزمات، والتي كان آخرها الانتفاضة الحاشدة في 2022، الناجمة عن وفاة مهسا أميني، ورغم كونها حركة احتجاجية حاشدة غير مسبوقة، إلا أن النظام تمكّن من التغلب عليها.

رحيل رئيسي لا يُغيّر شيئاً

من جهتها اعتبرت ماري لادير فولادي، العالمة في الاجتماع والديموغرافيا، في المركز الوطني الفرنسي للأبحاث، أن وفاة إبراهيم رئيسي لا تغيّر شيئاً، رغم أنها أثارت التكهنات حول مستقبل النظام الإيراني، مشيرة إلى أن العديد من التحليلات كانت مضللة من خلال تقديم رئيسي كخليفة محتمل للمرشد الأعلى. ففي الواقع، لم يكن يمتلك المعرفة الدينية اللازمة ليتمكن من تولي الوظيفة الدينية كمرشد للثورة الإسلامية، حيث إنه تابع فقط الدورة التحضيرية الأولى للمدرسة اللاهوتية (الحوزة العلمية) التي استمرت ست سنوات.

ونبّهت الباحثة الفرنسية إلى استمرارية القراءة الخاطئة لدى وسائل الإعلام الغربية للشأن الإيراني، والتي تحدثت عن بداية فترة محتملة من عدم اليقين السياسي في طهران، معتبرة أن المراقبين الذين قدموا تلك التفسيرات ليس لديهم سوى القليل من المعرفة عن مسيرة الرئيس السابق، وفشلوا في الأخذ بالاعتبار آلية عمل نظام ولاية الفقيه (الحكم المُطلق للفقه الديني) الذي صمّمه الخميني، وينفّذه خليفته علي خامنئي عام 1989، وبالتالي فإن رئيس البلاد لا يحدث فرقاً مؤثراً.