تتواصل الحرب في روسيا أوكرانيا، لعامها الثالث، وفي وقت لا يُرى فيه للحرب نهاية واضحة، تبرز مشاهد أخرى تكشف تأثير تلك الحرب على المدنيين، وفق ما رصده تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

في عام 2022، وخلال الأسابيع الأولى لبداية العملية العسكرية الروسية الموسعة، دمر قصف جوي مبنى سكنياً أوكرانياً يتكون من 16 طابقاً في شارع ناتاليا أوزهفي في حي سالتيفكا في خاركيف، ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا.
أدى الانفجار إلى تدمير المبنى من الداخل إلى الخارج. وفي مشهد سريالي، وبينما كانت كابلات المصاعد تتدلى من عمود فارغ، أدى ذلك إلى إطلاق صفارة منخفضة حزينة عندما هبت الرياح عبر الأنقاض. فأصبح المبنى المحطم رمزاً للدمار الذي حل بسالتيفكا، وفق التقرير.

قبل الحرب، كانت سالتيفكا حياً مكتظاً بالسكان وحيوياً ويسكنه حوالي 400 ألف شخص، لكن شهوراً من القصف الروسي تركت مباني سكنية شاهقة مليئة بثقوب القذائف.
ويقول مسؤولون محليون إن حوالي 70% من المباني السكنية تضررت، وكثير منها بات مهجوراً.

عودة الحياة

وحين صدت قوات كييف نظيرتها الروسية من ضواحي خاركيف في مايو (أيار) 2022، عادت ملامح الحياة الطبيعية ببطء في العام الماضي بعد عودة بعض السكان.
المبنى السكني الذي تعرض للقصف في شارع ناتاليا أوزهفي رقم 82 تم هدمه كلياً، وتم إصلاح بعض المباني الأخرى جزئياً، وأعيد فتح المتاجر وتدفقت حركة المرور.

الصحيفة قابلت عدداً من السكان في تلك الضاحية، بينهم والدة الطفلة أوليانا ياكوفيتس، البالغة من العمر 8 سنوات، وفتيات أخريات أثناء حضورهن دروس الباليه في ملجأ تحت الأرض.
تقول الوالدة أولغا ياكوفيتس: "في السابق، كانت تسحب شعرها وأذنيها وتقضم أظافرها بسبب ما عاشته من حرب، إلا أن دروس الباليه تجعل الأمر يبدو وكأنه بدأ يتحسن".

حرب خاركيف

هذا العام، بدأ القصف مرة أخرى في المدينة التي ظن أهلها أن الحياة عادت إليها. ففي مايو (أيار)، شنت روسيا هجوماً جديداً عبر حدودها باتجاه خاركيف، وكانت صفارات الإنذار من الغارات الجوية تدوي ليل نهار، وتخللتها انفجارات.

وفي 25 مايو (أيار)، ضربت قنابل روسية مركزاً للتسوق، مما أسفر عن مقتل 19 شخصاً، بحسب مصادر أوكرانية رسمية.

وقالت ياكوفيتس: "لقد أصبح المزاج هنا أسوأ، اعتدنا أن نسمح للأطفال باللعب في الخارج، لكنني الآن أشعر بالخوف".
وبعيداً عن وسط مدينة خاركيف، كانت المعارك عنيفة أيضا كما توضح الصحيفة في تقريرها.
ففي منطقة على بعد 45 دقيقة بالسيارة من سالتيفكا.. لم تهجر أولغا كوبزار، البالغة من العمر 71 عاماً، منزلها في أقصى شمال المدينة، حيث هُجِر كل مبنى قُصف تقريباً في شارعها.
وكوبزار، كما تقول الصحيفة، هي المقيمة الوحيدة في المبنى الذي تسكن فيه، وتقضي أيامها في رعاية الحديقة التي زرعتها لمدة 30 عاماً، وهي الآن تزرع الزهور في حفر خلفتها القنابل.
وتقول كوبزار، التي يقاتل ابنها على الخطوط الأمامية: "لقد نظمت كل شيء وفقاً لخطتي، ولكن الحرب وحدها هي التي خرجت عن سيطرتي".
ورغم المظهر الطبيعي الذي يسود المكان، فإن التوتر لا يزال يخيم على كل الأرجاء، وتقام الصلوات الدينية في الأقبية، وبعد غروب الشمس، تتوهج أضواء الشقق القليلة المأهولة على ألواح خرسانية.

ضاحية في مرمى النيران

أعربت ياكوفيتس عن قلقها من أن يؤدي المزيد من التقدم الروسي نحو سالتيفكا إلى وضع الضاحية مرة أخرى في مرمى النيران.
كانت القوات الأوكرانية تعمل على بناء خطوط دفاعية جديدة حول خاركيف في حالة حدوث المزيد من التقدم الروسي.
وفي الشهر الماضي، كان جنود من اللواء الهندسي المنفصل السابع والأربعين يحفرون خنادق على بعد أقل من عشرين دقيقة بالسيارة من سالتيفكا، بينما كانت قذائف الهاون الروسية تنطلق فوق رؤوسهم وتنفجر في الحقول المحيطة.
وبعد أن اختبأوا لفترة وجيزة، واصلوا الحفر.
يزرع فالنتين بيلتكي (65 عاماً) وزوجته تيتيانا بيلتكي (61 عاماً) الخيار والطماطم في شرفة منزلهما.
ويقول بيلتكي إن المبنى الذي يعيشان فيه يضم 128 شقة، كانت جميعها مأهولة قبل الحرب.
ولم يعد إلى المنزل سوى 16 أسرة فقط للعيش وسط الأنقاض.
ويقول: "أنا متعب للغاية.. أشعر بالحزن، لقد بنينا كل شيء من جديد بأموال معاشنا التقاعدي، وقد نخسر كل شيء مرة أخرى".

هجوم مفاجئ

في منتصف مايو (أيار) الماضي شنت قوات روسية هجمات ضد أوكرانيا من الجهة الشمالية الشرقية، في هجوم مفاجئ على مدينة خاركيف، لتستولي على بعض المناطق التي كانت قد احتلتها في المراحل الأولى من الاجتياح الشامل لأوكرانيا ثم تراجعت عنها فيما بعد.
ووقع قتال شديد على مقربة من منطقة فوفتشانسك، الواقعة على مسافة خمسة كيلومترات (ثلاثة أميال) من الحدود الروسية الأوكرانية.
ويتوقع مراقبون أن تكون الأسابيع المقبلة في أوكرانيا صعبة؛ وتبدو روسيا عازمة على الزحف صوب مدينة خاركيف، وربما الاستيلاء عليها.
جدير بالذكر أن عدد سكان منطقة خاركيف قبل الحرب بلغ حوالي 1.4 مليون نسمة. وتأتي المدينة في المرتبة الثانية بعد كييف ودنيبرو نظراً لأهميتها الاقتصادية فقط لأوكرانيا.