في خطوة عدّها الباحث الأمريكي جورج فريدمان تحولاً استراتيجياً بالغ الأهمية، أعلنت ألمانيا عن نشر قوة دائمة قوامها 5000 جندي في ليتوانيا.
وقال الكاتب والمحلل السياسي جورج فريدمان في مقاله بموقع "جيوبولتيكال فيوتشرز" البحثي الأمريكي إن هذا التحرك ليس مجرد خطوة عسكرية، بل هو مؤشر قوي على بداية مرحلة جديدة في النظام الجيوسياسي العالمي.
وأوضح الكاتب أن إحدى أبرز سمات هذه المرحلة هي إعادة الولايات المتحدة النظر في مدى انخراطها العسكري والمالي في النظام العالمي، ومطالبتها أوروبا بتحمل مسؤولية أكبر في أمنها الإقليمي.
صواريخ "تاوروس" الألمانية تقترب من ترسانة الجيش الأوكراني - موقع 24كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه تحدث مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال زيارته لبرلين أمس الأربعاء، حول إمكانية تزويد أوكرانيا بصواريخ كروز الألمانية من طراز "تاوروس".
خطوة رمزية بأبعاد استراتيجية
واعتبر فريدمان التحرك الألماني أول استجابة أوروبية حقيقية لهذا التوجه الأمريكي، وعلى الرغم من أن حجم القوة الألمانية لا يكفي لردع هجوم روسي شامل، فإن رمزية هذا التحرك تكمن في كونه تعهُّداً عسكريّاً ملموساً من قِبل ألمانيا، وهو ما يبعث برسالة حازمة إلى موسكو، ويدفع الدول الأوروبية الأخرى إلى إعادة النظر في مواقفها.
والسؤال الآن، حسب فريدمان، هل سيكون هذا النشر العسكري بادرة أولى ضمن سلسلة تحركات أوروبية منسقة، أم أنه مجرد خطوة منفردة؟
كما سبق وذكر فريدمان، "أوروبا" ليست كياناً موحداً، بل قارة تضم 44 دولة ذات سيادة. فاستجابة أوروبية منسقة تختلف تماماً عن 44 استجابة منفصلة. وسيكون من الأهمية بمكان مراقبة ردود كل من المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وبولندا، بوصفها القوى العسكرية الأكثر تأثيراً داخل حلف الناتو.

ألمانيا تتجاوز إرث الحربين العالميتين
لكن حتى وإن بقيت هذه الخطوة ألمانية خالصة، فإنها تُمثل تحولاً جذرياً في السياسة الأوروبية، برأي فريدمان، مشيراً إلى أنه منذ الحرب العالمية الثانية، كانت ألمانيا الدولة المنبوذة في الساحة الدولية، ويرجع ذلك إلى تاريخها في إشعال الحربين العالميتين.
وخرجت ألمانيا من الحرب الثانية دولة مقسّمة ومحتلة من قبل الغرب والاتحاد السوفييتي، ولم تستعد سيادتها إلا في تسعينيات القرن المنصرم. ورغم صعودها الاقتصادي لتصبح مركز ثقل القارة، فقد التزمت الحذر وتجنبت لعب دور عسكري قيادي في أوروبا.
رسائل جديدة لأوروبا
عدَّ الكاتب نشر القوات في ليتوانيا خرقاً لهذا الحذر التاريخي، ومؤشراً على احتمال عودة ألمانيا كقوة جيوسياسية.
وقال فريدمان: لو كانت هذه الخطوة أقدمت عليها المملكة المتحدة أو فرنسا أو بولندا، لما كانت لتثير المستوى نفسه من القلق، لكن كونها ألمانية، فهذا يستدعي من أوروبا أن تُعيد النظر ليس فقط فيما تريده الولايات المتحدة، بل فيما قد تصبح عليه ألمانيا أيضاً.

لعبة حدود محسوبة
وأوضح الكاتب أن اختيار ليتوانيا كموقع لنشر القوات لم يكن عشوائياً، فهي تحد لاتفيا وبولندا وبيلاروسيا، لكنها لا تتصل جغرافياً بروسيا أو أوكرانيا، وهذا من شأنه أن يمنح الناتو والولايات المتحدة هامشاً زمنياً للرد في حال أي تصعيد روسي، ويمنع موسكو من استخدام هذا النشر كذريعة للتهديد المباشر.
كما أن وجود قوة ألمانية مدرعة بشكل دائم في ليتوانيا يرفع تكلفة أي مغامرة روسية نحو إعادة السيطرة على جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق أو دول أوروبا الشرقية.
ومن الناحية الاستراتيجية، رأى الكاتب، أن هذه الخطوة تبعث برسالة واضحة مفادها أن ما بعد أوكرانيا لن يكون مجرد منطقة عازلة، بل ساحة ردع حقيقية.
للرد على روسيا..ألمانيا: لا قيود على الدعم العسكري لأوكرانيا - موقع 24بعد الفشل في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، شدد المستشار الألماني فريدريش ميرتس على ضرورة استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، معلناً أن أوكرانيا باتت قادرة الآن على الدفاع عن نفسها بطريقة مختلفة.
خارطة جديدة لأمن أوروبا؟
وأضاف فريدمان: قد تكون هذه الخطوة نموذجاً يُحتذى في الدفاع الأوروبي الذاتي: نشر قوات في مواقع متقدمة قريبة من روسيا ولكن ليس على حدودها المباشرة، مما يمنح دول أوروبا مجالاً للمناورة والردع دون استفزاز مفرط.
وكما قال المؤرخ العسكري كارل فون كلاوزفيتز: "الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى"، فإن هذه الخطوة الألمانية تمثل سياسة جديدة بأدوات عسكرية.
فراغ أمريكي يقابله حضور ألماني متصاعد
ولفت الكاتب النظر إلى أن انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من التزاماتها الأمنية في أوروبا خلق فراغاً، لكنه حتى الآن ما زال خطابياً أكثر منه فعلياً، مشيراً إلى أن واشنطن لم تسحب قواتها من الناتو بعد، لكنها أوضحت أنها تريد من أوروبا أن تعتمد أكثر على نفسها. والآن، جاء الرد من ألمانيا.

ألمانيا في الواجهة... والقلق الأوروبي حاضر
لكن يبقى التساؤل: هل سيُسمح لألمانيا أن تتصدر القيادة العسكرية لأوروبا؟ التاريخ الأوروبي لا ينسى، والخوف من القوة الألمانية لم يختفِ تماماً. ومع أن الخطوة نُظر إليها بإيجابية من قبل الناتو، فإن الحذر لا يزال سيد الموقف، وفق الكاتب.
كما قال ونستون تشرشل: "كلما نظرت بعيداً إلى الماضي، رأيت أبعد في المستقبل". واليوم، بينما تبدأ ألمانيا في كتابة فصل جديد من دورها الجيوسياسي، تفتح أوروبا صفحة مليئة بالاحتمالات – وبعض المخاوف، يختم فريدمان.