تنضج العلاقة بين باكستان والصين بسرعة عالية، مستفيدة من حسابات مشتركة بين بلدين يتنافسان باستمرار للتفوق على جارتهما الهند، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.
وتكشفت خيوط الشراكة الأولى للعلن أول مرة بعد عملية "سندور" الأخيرة التي شنتها الهند ضد باكستان، وبينت عمق وجودة التفاهمات بين بكين وإسلام آباد، ومدى التنسيق بينهما في السعي لشراكة حاسمة، تتربص بالهند، وتضيّق الأفق عليها.
تنبؤ أسطوري
تلك الشراكة سبقت بتنبؤ سبق إليه الفيلسوف الهندي كوتيليا، مستشار أبرز ملك هندي في زمن ما قبل الميلاد، بنظريته "ماندالا" المعروفة، والمشيرة إلى شراكة مستقبلية بين الصين وباكستان، يسعيان إلى موازنة الهند، وتعزز هذا التوافق بشكل واضح خلال عملية سيندور الأخيرة.
وبدأت العملية الأقوى في تاريخ الصراع بين الجارين المتخاصمين، الهند وباكسات، في 6-7 مايو (أيار) 2025، حين استهدف الجيش الهندي البنية التحتية "للإرهاب" رداً على هجوم في منطقة باهالغام في جامو وكشمير.
ورداً على ذلك، شن الجيش الباكستاني عملية "البنيان المرصوص" لاستهداف الهند، باستخدام طائرات مقاتلة صينية، وصواريخ صينية أيضاً من طراز (PL-15)، إضافة لطائرات دون طيار، ما عكس عمق التعاون بين البلدين.
مرحلة استراتيجية
ويقول خبراء ومحللون عسكريون في تقرير نشرته مجلة "ناشونال انترست"، إن التنسيق بين الصين وباكستان دخل مرحلة استراتيجية أوسع، فإلى جانب استخدام التكنولوجيا العسكرية الصينية، والدفاع الجوي الصيني، ودعم الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع عبر الأقمار الصناعية رداً على عملية "سندور"، يعكف الجيش الباكستاني لمحاكاة أسلوب الجيش الصيني في الحرب متعددة المجالات، ليتحول هذا التوافق الجيوستراتيجي بسرعة إلى تآزر عسكري فعال ذي تداعيات خطيرة على الأمن القومي الهندي.
ويعود التقارب الجيوسياسي والتعاون العسكري بين الصين وباكستان إلى ستينيات القرن الماضي، حيث شكّل الصراع الصيني الهندي عام 1962 نقطة تحول في الشراكة الصينية الباكستانية. وفي عام 1963، وقّعت باكستان اتفاقية حدودية مع الصين، تنازلت بموجبها عن 5180 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الهندية في كشمير، تعزيزاً للتوافق المتبادل والتعاون المستقبلي.

تطورات جوسياسية
وفي السنوات الأخيرة، ترسخت الشراكة الاستراتيجية للعلاقات العسكرية بين الصين وباكستان بفضل تطورات جيوسياسية مختلفة، تشمل إعادة تشكيل الأراضي من خلال التشريعات المحلية في جامو وكشمير في أغسطس 2019، وتدهور العلاقات الهندية الصينية بسبب أزمة غالوان في لاداخ في مايو (أيار) 2020، والانسحاب الأمريكي من أفغانستان في عام 2021، وأخيراً، التنافس بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويؤكد الخبراء، أنه في خضم هذه التطورات، تسعى الصين - وإلى حد ما باكستان - إلى إعادة تعريف دورها ووجودها في المنطقة.

ومن ناحية أخرى، فإن العلاقات بين بكين ونيودلهي نمت على حساب ضعف الشراكة بين الولايات المتحدة وباكستان، ويتجلى ذلك التحول الملحوظ في جودة وكمية التعاون العسكري بين الصين وباكستان، إلى جانب انخفاض الاعتماد على الأنظمة العسكرية الأمريكية.
"تحالف عتبة"
ونظراً للتقارب الهيكلي القائم، تُوصف العلاقة العسكرية بين الصين وباكستان بأنها "تحالف عتبة" - وهو تحالف لا يرقى إلى مستوى معاهدة رسمية ولكنه لا يفرض أي قيود على التعاون، ويهدف هذا الترتيب إلى تقاسم الأعباء وتعزيز تجميع القدرات وتوحيدها ضد الهند، بالاعتماد على ثلاثة ركائز أساسية هي: تحويل جيش التحرير الشعبي الصيني إلى قوة عسكرية "عالمية المستوى" بحلول عام 2049، من خلال الاستثمار في تطوير البنية التنظيمية والقدرات العسكرية الباكستانية، مما يُرسخ مصداقيته كقوة موازنة فعّالة في مواجهة الهند.
وثانياً، استغلال التطورات الجيوسياسية الأخرى، ما أدى لخلق بيئة جديدة للصين وباكستان لتعزيز وبناء قدراتهما العسكرية وتضافر جهودهما. وتتجلى النتيجة في التحول من "الشراء إلى الإنتاج العسكري المشترك إلى البحث والتطوير المشترك".
وثالثاً وأخيراً، سعي الصين الحثيث لتطوير قدراتها في مجال الحروب متعددة المجالات لتعزيز قدراتها التقليدية من خلال دمج مجالات المعلومات والإنترنت والفضاء لأغراض القتال، ولمحاكاة ذلك النموذج بذلت باكستان جهوداً لتبني نفس المفهوم مفهوم في الصراع الأخير مع الهند، بالاستفادة من الدعم الصيني في مجالات الملاحة عبر الأقمار الصناعية باستخدام نظام "بايدو" منذ عام 2013، إلى جانب شبكات اتصالات الجيل الخامس (5G) لتعزيز قدرات الحرب غير التلامسية،