في تطور جديد ينذر بتحركات مرتقبة في أزمة سد النهضة، أعلن رئيس وزراء إثيوبيا، الخميس، أنه تم استكمال بناء السد لتوليد الطاقة على نهر النيل، وأن حكومته" تستعد لتدشين السد رسمياً"، وهو الأمر الذي أثار الجدل من جديد، نظراً لمخاوف مصر تجاه تقليص حصتها من مياه نهر النيل.
اتفاق ضروري
وحذر الخبير في القانون الدولي والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية محمد محمود مهران من خطورة تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي حول مصر وسد النهضة، كما حذر من دعوة مصر والسودان لحضور افتتاح السد في سبتمبر (أيلول) المقبل، دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية الملء والتشغيل.
وأكد مهران في تصريحات صحافية، أن هذه التصريحات تتجاهل حقوق دول المصب، وتخالف اتفاقية المبادئ الموقعة عام 2015، مشيرًا إلى أن إثيوبيا تتعمد إثارة التوترات من خلال اتخاذ إجراءات أحادية الجانب، وشدد على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني يحمي حقوق الأجيال القادمة في دول المصب، محذراً من أن استمرار إثيوبيا في سياستها قد يؤدي إلى أضرار جسيمة لمصر والسودان.
كما أكد أن لمصر الحق في الدفاع عن أمنها المائي وفقاً للقانون الدولي، داعيا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه هذا النزاع الخطير لضمان الاستقرار في المنطقة.

تعثر السد
وقال الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، إن هذا السد تعثر كثيرًا وتأخر أكثر من 10 سنوات عن موعد افتتاحه، فعقب وضع حجر أساس السد في 2 أبريل (نيسان) 2011، أعطى رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل مليس زيناوي الشركة الإيطالية المنفذة 5 سنوات للانتهاء من السد في عام 2016، مع مكافأة حال تم التسليم في عام 2015.
وأوضح نور الدين أنه "في ذلك الوقت، تحدت القاهرة هذا الأمر، نظراً لأن السدود النهرية الكبيرة تستغرق 10 سنوات على الأقل، ومن المستحيل أن ينتهي قبل عام 2021، ولكنه تأخر 4 سنوات أخرى وانتهى في سبتمبر (أيلول) 2025، أي استغرق نحو 15 عاما بسبب مشاكل في التمويل، ثم تم سحب مناقصات تركيب غرف التوربينات من الجيش، وإسنادها إلى شركة أوروبية، وبعد ذلك انتحر مدير السد بسبب اتهامات بالفساد وغيرها".
توفيق إلهي
وأفاد أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة ل"24"، بأن بناء السد وفترات التخزين، صادف توفيقاً إلهياً كبيراً بسبب السيول الغزيرة خلال السنوات الست الماضية، وبالتالي لم تتأثر مصر والسودان بالتخزين الكبير، الذي يصل إلى إجمالي 75 مليار متر مكعب من المياه هذا العام، وأضاف أن الحرب الداخلية في السودان، جعلت السودان لا يستخدم حصته المائية البالغة 18.5 مليار متر مكعب سنويًا، ولو سادت السنوات العجاف مع الفيضانات الشحيحة خلال فترات الملء الست، لعانت مصر والسودان كثيرًا، وبالتالي فهذا أمر خارج عن إرادة إثيوبيا ولم تسعَ إليه، لأنها كانت ستملأ بحيرة السد تحت كل الظروف.
الوضع الحالي
وأكد نور الدين أن الوضع حاليًا هو أن إثيوبيا ترفض اتفاقيات ملزمة تضمن الحد الأدنى من تدفق المياه لمصر والسودان، لكنها تريد مذكرة تفاهم فقط، وهذا غير مقبول في الاتفاقيات بين الدول، وبالتالي لا يتوقع حضور ممثلين عن مصر والسودان لمراسم افتتاح السد في سبتمبر (أيلول) القادم.
مراوغة دبلوماسية
وقال الدكتور محمد عبد الكريم، الباحث المتخصص في الشؤون الإفريقية، إن التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإثيوبي تعكس ما وصفه بـ"المراوغة الدبلوماسية"، التي يلجأ إليها آبي أحمد، عند تعرضه لضغوط إقليمية أو داخلية.
وأضاف عبد الكريم لـ"24"، أن هذا النوع من الخطاب الناعم ليس جديدًا، بل يأتي ضمن أسلوب إثيوبي معتاد يسعى إلى تصدير صورة التعاون والانفتاح، لا سيما حين تواجه الحكومة الإثيوبية انتقادات أو تحديات، سواء داخلية متعلقة بالأزمات المتصاعدة في البلاد، أو خارجية متصلة بعلاقاتها المتوترة مع دول الجوار.
وأوضح أن حديث آبي أحمد الأخير، الذي يُعد الأول من نوعه من حيث الإقرار العلني بعدم المساس بمصالح مصر والسودان المائية، لا يمكن فصله عن تصريحات وزير الخارجية المصري الأخيرة، التي اعتبرها عبدالكريم دقيقة وواضحة، وعبّرت عن موقف مصر بحزم محسوب ولغة دبلوماسية متزنة، مؤكدا أن القاهرة باتت أكثر تحفظًا في تعاملها مع الملف، وأكثر وضوحًا في شروطها.

الاستفادة الإعلامية
وأشار إلى أن إثيوبيا تحاول الاستفادة من الحدث إعلاميًا، عبر تسويق الانتهاء من مشروع سد النهضة باعتباره إنجازًا وركيزة لتكامل إقليمي، رغم أن إعلان التدشين الرسمي في سبتمبر المقبل ليس جديدًا، بل سبق أن تم تداوله قبل نحو شهرين، وأضاف أن آبي أحمد يسعى لتثبيت أمر واقع، بأن السد أصبح حقيقة قائمة، وأنه لا مجال للحديث عن إيقافه أو مراجعته، رغم وجود حقوق أصيلة لمصر لا يمكن القفز فوقها، حسب تعبيره.
توقيت التصريحات
مفاوضات مرتقبة
وبشأن مسار المفاوضات، توقع عبدالكريم أن تشهد الأسابيع المقبلة عودة لمحادثات جديدة بين مصر وإثيوبيا، بوساطة أمريكية، ربما في أعقاب زيارة المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى المنطقة، وأشار إلى أن الملف، رغم تصدر السودان للخطاب العلني، كان حاضراً في نقاشات واشنطن، ضمن رؤية أشمل للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.
وأضاف أن مصر، وفق قراءته، لن تدخل أي مفاوضات مستقبلية ما لم تكن قائمة على أسس واضحة تتضمن سقفًا زمنيًا محددًا، والتزامات موضوعية قابلة للتنفيذ، مشددًا على أن القاهرة لم تعد تحتمل الدخول في جولات تفاوضية شكلية تفتقر للجدوى.