بينما استهدفت الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية في تصعيد غير مسبوق بالتنسيق مع إسرائيل، بدأ أثر تلك الضربات يتردد بعيداً عن إيران، ليصل إلى دول آسيا الوسطى، التي تعتمد بشكل متزايد على طهران كممر استراتيجي للتجارة والربط الإقليمي.

وفي هذا الإطار، حذر الكاتب والمحلل الأمريكي جيمس دورسو يحذّر، في مقال نموقع مجلة "ذي ديبلومات"، من أن هذه الدول باتت مضطرة لإعادة حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية، في ظل تهديد مباشر لمشاريع النقل الحيوية وشراكات الطاقة والموانئ.

تصعيد عابر للحدود 

وقال دورسو، المعلّق المختص في السياسة الخارجية والأمن القومي، إن الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، مثل منشأة "فوردو" شديدة التحصين، لن تقف آثارها عند حدود المجال الجوي الإيراني، بل ستمتد إلى فضاء أوسع يشمل دول آسيا الوسطى بأكملها، التي بدأت تشعر بارتباك متزايد في شبكات النقل والتجارة.

حسابات إسرائيل تجاه النووي الإيراني.. استراتيجية ناقصة وآمال معلقة - موقع 24ذكرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، أن إسرائيل تأمل أن يتمكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من وضع قيود ناجحة على إمدادات الصواريخ الباليستية الإيرانية، لكنها وصفت هذا الأمر بأنه "أكثر غموضاً"، ونقلت عن مصادر، أن استراتيجية إسرائيل تجاه إيران تعتمد بشكل كبير على حصول الولايات ...

وأشار الكاتب إلى أن دول آسيا الوسطى، ومنها أوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان، بدأت بالفعل بمراجعة خرائط التوريد وخطط النقل، خشية تعطل خطوط الإمداد أو تحويلها عن المسارات التي تمر عبر إيران. ويبدو أن هذه الدول بدأت تدرك أن أي تصعيد إضافي قد يحول خطوط التجارة إلى مناطق نزاع يصعب تجاوزها.

وذكر دورسو أن الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، المعروف بانفتاحه الاقتصادي وتطويره للبنية التحتية، بات مضطراً لمراجعة مشاريعه التي تعتمد على الممرات الجنوبية عبر إيران، نظراً للتوتر المتصاعد الذي قد يهدد هذه الرؤية التنموية.

رفع كلفة الشحن

لفت الكاتب إلى أن تعليق الملاحة الجوية فوق إيران لأسباب أمنية قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الشحن بنسبة تتجاوز 30%، فضلاً عن تهديد استقرار موانئ إيرانية محورية مثل چابهار وبندر عباس، ما يقوّض مشاريع الربط البحري الحيوية لدول آسيا الوسطى.

وشدد دورسو على أن دول آسيا الوسطى التي لا تمتلك سواحل مثل كازاخستان وأوزبكستان، لطالما اعتمدت على إيران كمخرج بحري نحو الخليج والمحيط الهندي، في ظل رغبتها بتنويع خياراتها بعيداً عن الاعتماد المطلق على الصين أو روسيا،  وقال إن أي تدهور في استقرار إيران قد يعني خسارة أهم منفذ استراتيجي لهذه الدول نحو الأسواق العالمية.

ونوّه إلى أن العلاقات التجارية بين إيران وآسيا الوسطى تشهد نمواً واضحاً، فإيران أصبحت ثاني أكبر شريك تجاري لتركمانستان بعد روسيا، وهناك خطط لرفع التبادل إلى 3 مليارات دولار سنوياً. كما وقّعت كازاخستان اتفاقاً مع طهران لتبادل أكثر من 75 سلعة بقيمة 250 مليون دولار. كل هذا الآن بات عُرضة للخطر.

مشاريع الربط الإقليمي 

أشار دورسو إلى أن دول آسيا الوسطى استثمرت بكثافة في مشاريع الربط الإقليمي مثل "الممر الدولي الشمالي الجنوبي" الذي يربط روسيا بالهند عبر إيران، ومشروع خط السكة الحديد من الصين إلى إيران. ومع تصاعد الضربات العسكرية، قد تتعرض هذه المشاريع لشلل كبير إذا ما استُهدفت موانئ الشحن أو منشآت الطاقة الإيرانية.

وتساءل الكاتب عما إذا كانت واشنطن ستأخذ في الاعتبار مصالح شركائها "غير التقليديين" في آسيا الوسطى، مثل كازاخستان وأوزبكستان، عند اتخاذ قرارات الضغط على إيران. فاستمرار سياسة "الهدف أولاً" قد يجرّ أضراراً جسيمة على الاقتصادات الناشئة التي وجدت في إيران بوابةً حيويةً للخروج من عزلتها الجغرافية.

ترامب والاستخبارات..صراع الروايات حول إيران النووية - موقع 24قال الكاتب بول ر. بيلار، الباحث في مركز الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب دخل في صدام مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية مرتين خلال أسبوع واحد، بسبب الملف النووي الإيراني، ولكن من زاويتين متناقضتين.

فرصة لإعادة ترتيب الأوراق

واختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن العاصمة الأوزبكية طشقند تستعد لاستضافة القمة السابعة لرؤساء آسيا الوسطى في سبتمبر (أيلول) المقبل، وهي مناسبة حرجة لمراجعة الأضرار ووضع خطط بديلة لتأمين مسارات التجارة والاستثمار بعيداً عن "خطوط النار"، على حد تعبيره.