لا تتشكل القوة في النظام العالمي فقط من خلال الجيوش والتحالفات والدبلوماسية، بل من خلال عوامل خفية، أبرزها الاقتصاد غير المشروع. وبينما تنهمك الحكومات في الحروب التقليدية والتوازنات الجيوسياسية، تتنامى في الظل سلطات أخرى، تبني نفوذها على الخوف والطلب والجشع.

 وفي هذا السياق، تناول الكاتب جورج فريدمان، مؤسس مركز "جيوپوليتكال فيوتشرز"، في مقال بالموقع الأمريكي، كيف أن كارتيلات المخدرات باتت تُشكّل قوة يصعب على الحكومات تطويقها. وقال فريدمان إن الصراع مع هذه العصابات يتجاوز البعد الأمني ليصل إلى معضلة أخلاقية وجيوسياسية معقدة.

كارتيلات بلا عقيدة

وأشار فريدمان إلى أن عصابات المخدرات لا تملك أيديولوجيا سياسية، أو دينية كالتي تحرّك الجماعات الإرهابية، لكنها تتفوق عليها بالتنظيم والفعالية. فهي تملك المال والسلطة والقدرة على زرع الخوف وتحقيق الولاءات.

وأوضح الكاتب أن بعض هذه الكارتيلات تمكن من التحول إلى ما يشبه "دولة داخل الدولة"، خاصة في أمريكا اللاتينية، حيث نجحت في السيطرة على مجتمعات بأكملها، وأحكمت نفوذها على مؤسسات محلية، بما فيها أجهزة الشرطة.

ورأى فريدمان أن المصدر الحقيقي لقوة الكارتيلات لا يكمن في أدوات العنف، بل في الطلب الأمريكي المستمر على المخدرات. وقال الكاتب إن الولايات المتحدة، باعتبارها أكبر سوق استهلاك للمخدرات في العالم، توفر حافزاً هائلاً للإنتاج والتهريب والتوزيع. ومهما ضُبط من شحنات أو هُدّمت من خلايا، فإن العرض يستمر ما دام الطلب قائماً.

شراء كل شيء

ولفت الكاتب النظر إلى أن الأرباح الهائلة لتجارة المخدرات، التي تصل إلى مليارات الدولارات سنوياً، تمكّن الكارتيلات من شراء حماية وولاء الحكومات الهشة، وفي بعض الأحيان، حتى وكالات إنفاذ القانون في دول قوية مثل الولايات المتحدة نفسها. وأضاف أن أرباح الكارتيلات تمكّنها من تجاوز حدود الجغرافيا والقانون، وتحوّلها إلى فاعلين من نوع خاص في النظام الدولي.

وأكد فريدمان أن الجهود الأمنية لوقف التهريب تبدو عقيمة في ظل نظام العرض والطلب الحالي. فكلما ارتفعت الحواجز، زاد ذكاء المهربين. وأثبتت تجارب العقود الماضية أن أي تشديد أمني يقابله تطوير في وسائل التهريب، من الأنفاق إلى الطائرات دون طيار، إلى استغلال الحدود المائية والبرية الواسعة.

التقنين

وطرح فريدمان إمكانية تقنين بعض أنواع المخدرات لتقليص أرباح الكارتيلات، مشيراً إلى أن تقنين الكحول بعد إلغاء الحظر في ثلاثينيات القرن الماضي، أدى إلى تراجع قوة المافيات التي كانت تهيمن على تجارة الكحول غير الشرعية. لكن الكاتب لا يقدّم هذه الفكرة بوصفها حلاً مثالياً، بل اضطراراً في ظل فشل الحرب الطويلة على المخدرات، مؤكداً أن مثل هذا الخيار يصطدم بـحسابات سياسية وأخلاقية ومجتمعية معقدة.

وفي ختام تحليله، قال جورج فريدمان إن كارتيلات المخدرات لم تعد مجرّد عصابات إجرامية، بل باتت تمثل قوة جيوسياسية موازية في بعض المناطق، قادرة على تحدي الحكومات والتأثير في المجتمعات والاقتصادات. 

وما لم تتعامل الدول الكبرى مع جذور المشكلة، خاصةً الطلب الداخلي وأسواق الاستهلاك الكبرى، فإن الصراع سيستمر، وستظل الكارتيلات قادرة على النمو والتمدد، سواء وُضعت على لائحة الإرهاب أم لا.