تحتدم النقاشات في الأوساط السياسية والفكرية حول موقع الولايات المتحدة في الأزمة الأوكرانية، خاصة بعد التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعا كييف للتنازل عن جزء من أراضيها لروسيا باعتبارها "قوة كبرى"، غير أن هذا الطرح، وإن كان يعكس رؤية واقعية بحتة، يثير جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت أمريكا بصدد التخلي عن جوهر رسالتها الأخلاقية التي ميّزت قيادتها للعالم طوال عقود.

وفي هذا الإطار، قالت الدكتورة أغنيا جريجاس، باحث أول في المجلس الأطلسي ومن أبرز المختصين في السياسة الدولية، في مقال نشره موقع ناشونال إنترست، إن تصريحات ترامب تعبّر عن مدرسة الواقعية السياسية التي لطالما هيمنت على الفكر الأمريكي. 

وأوضحت الباحثة أن هذه المدرسة تفترض أن الدول تتحرك بدافع مصالحها وحسابات القوة وحدها، دون أي اعتبار للقيم أو المبادئ. 

وأضافت أن الاقتصار على هذا المنطق الضيق يعني التسليم بأن الدول الصغيرة محكومة دوماً بالخضوع لإرادة القوى العظمى.

دروس من ليتوانيا 

وتابعت الكاتبة مستعيدةً تجربتها الشخصية، إذ ذكّرت بأن وطنها الأم ليتوانيا عاش مرارة الاحتلال السوفيتي حتى بداية التسعينيات.

وأكدت أن أمن بلادها اليوم قائم على مبدأ أساسي هو التزام الغرب – وفي مقدمته الولايات المتحدة – بالدفاع عن الحلفاء باعتباره مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مجرد حساب استراتيجي. 

وحذّرت الباحثة من أن التخلي عن هذا المبدأ يفتح الباب أمام اختفاء الدول الصغيرة تحت نزوات القوى الكبرى.

تقرير.. هكذا يُمكن إبقاء بوتين خارج أوروبا - موقع 24متسلقاً فوق جذوع الأشجار المكسوّة بالطحالب والأغصان المتساقطة، يشرح هانس يويستِن المخاطر الكامنة في اجتياز المستنقعات الخثية.

وعود بودابست

وأشارت جريجاس إلى أن أوكرانيا دفعت ثمناً فادحاً نتيجة التعامل مع الضمانات الأمنية باعتبارها التزامات رمزية فقط، ففي عام 1994، تخلّت كييف عن ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم بموجب "مذكرة بودابست" مقابل وعود باحترام سيادتها وسلامة أراضيها.

وأوضحت الكاتبة أن روسيا خرقت ذلك التعهد بشكل صارخ، مما يضع الغرب أمام مسؤولية أخلاقية جسيمة، مضيفةً أن الوعود، حتى وإن لم تكن ملزمة قانوناً، تظل ذات مكانة لا يجوز التفريط فيها.

خيار الحرية

وأكدت الكاتبة أن الأوكرانيين اختاروا القيم الغربية مراراً، بدءاً من "الثورة البرتقالية" عام 2004 وصولاً إلى احتجاجات "الميدان الأوروبي" عام 2014، حيث واجهوا الرصاص والدبابات رفضاً للفساد الروسي والتبعية لموسكو. 

وأضافت الباحثة أن أوكرانيا منذ 2014 تدفع الدماء ثمناً لقرارها الانحياز إلى الحرية والديمقراطية، وهو خيار ارتبط بالثقة في الرسالة الأمريكية عن الأمل والكرامة الإنسانية.

المستشار الألماني يتهم بوتين بالمماطلة في مفاوضات أوكرانيا - موقع 24اتهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، موسكو بالمماطلة في مساعي السلام في أوكرانيا، مشيراً في ذلك على وجه التحديد إلى الاجتماع الثنائي المزمع بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

صوت أمريكا في ليتوانيا

واستحضرت جريجاس ذكريات طفولتها في ليتوانيا تحت الاحتلال، حين كانت تستمع إلى البث المشوّش لـ "صوت أمريكا" الذي حمل وعد الحرية. وأوضحت أن الأوكرانيين يعيشون اليوم الأمل نفسه، بانتظار أن يثبت الغرب أنه لن يتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم كما حدث مع شعوب أوروبا الشرقية سابقاً.

طريق إلى الفوضى

وشددت الكاتبة على أن العالم إذا خضع لمنطق الواقعية وحده، فسيعني ذلك التخلي عن أوكرانيا ومكافأة المعتدي بشعار زائف اسمه "الاستقرار". 

وأكدت الباحثة أن مثل هذا "الاستقرار" لن يتحقق أبداً، بل سيخلق عالماً تتحول فيه الشعوب الضعيفة إلى رهائن للخوف، وتُستبدل القيم بالمصالح، ويمضي الطغاة في طريقهم من دون رادع.

مفترق تاريخي

خلصت جريجاس إلى القول إن الولايات المتحدة تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: فإما أن تفي بمسؤوليتها الأخلاقية تجاه أوكرانيا، لا وفاءً بوعود الماضي فحسب، بل حفاظاً على مكانتها العالمية القائمة على نصرة القيم الديمقراطية، وإما أن تسمح بانهيار منظومة الشرعية الدولية أمام منطق القوة الغاشمة. 

وأوضحت أن السلام سيأتي حتماً، لكن لا يجوز تحت أي ذريعة إضفاء الشرعية على الاحتلال والعدوان، لأن ذلك يقوض أسس النظام الدولي ويهدد أمن أوروبا والعالم.