أكد الباحث لينغونغ كونغ، طالب الدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة أوبورن، والمتخصص في الاستراتيجية الصينية والعلاقات الدولية، أن الرئيس الصيني شي جين بينغ، نجح في تطبيق تعاليم "فن الحرب" لسون تزو، بينما أخفق دونالد ترامب في استيعاب أبسط قواعد الاستراتيجية. ورأى الكاتب، في تحليل بموقع "آسيا تايمز"، أن سياسات ترامب في ولايته الثانية تحوّلت إلى سلسلة من الأخطاء التي منحت بكين اليد العليا في إدارة الصراع.

وقال الكاتب إن كتاب سون تزو العريق يؤكد أن "من يعرف عدوه ويعرف نفسه لا يخشى نتيجة مئة معركة". وأضاف أن ترامب تجاهل هذه القاعدة الذهبية، فبالغ في الاعتماد على الرسوم الجمركية معتقداً أنها سترغم الصين على التراجع، بينما كانت بكين قد تعلمت من الجولة الأولى من الحرب التجارية وأعدّت نفسها جيداً.

وأوضح كونغ، أن ترامب أساء تقدير صلابة بكين وتجاهل اعتماد الاقتصاد الأمريكي على سلاسل التصنيع الصينية، فضلاً عن غفلته عن ورقة "العناصر الأرضية النادرة" التي تحولت إلى أداة ضغط بيد الصين.  وتابع أن الضرر الاقتصادي ارتدّ على الولايات المتحدة نفسها، ما أجبر ترامب على طلب هدنة من شي، وهو ما عزز مكانة بكين وأكسبها نفوذاً إضافياً على طاولة المفاوضات.

ضربات بكين في قلب القاعدة الانتخابية

وأضاف الكاتب أن الصين جسّدت عملياً وصية سون تزو "اضرب خصمك في موضع لا يتوقعه". فقد ركزت على ضرب صادرات المزارع الأمريكية والصناعات المرتبطة بقاعدة ترامب الانتخابية، كما فرضت قيوداً صارمة على صادرات المعادن النادرة، ما أضر بقطاعي التكنولوجيا والدفاع الأمريكيين. 

وأوضح كونغ أن هذه الخطوات دفعت ترامب إلى التراجع عن توسيع نطاق الرسوم الجمركية، بل وحتى إلى منع رئيسة تايوان من عبور الأراضي الأمريكية تفادياً لمواجهة مباشرة مع بكين.

خسارة التفوق الأخلاقي

وتابع كونغ أن من أخطر إخفاقات ترامب تفكيك شبكة التحالفات الدولية التي شكلت أعظم رصيد استراتيجي لواشنطن، وأوضح أن شعار "أمريكا أولاً" ترجم عملياً إلى انسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، والتخلي عن مجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية، وفرض رسوم جمركية على الحلفاء. وأضاف أن هذه السياسات قوّضت الثقة في الولايات المتحدة، وأضعفت قوتها الناعمة التي طالما منحتها التفوق الأخلاقي.

وأشار الكاتب إلى أن الصين استغلت هذا الفراغ بذكاء، إذ عززت حضورها عبر منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة "بريكس" ومبادرة "الحزام والطريق"، مروجة لنفسها قوة مسؤولة.  وتابع أن الاستطلاعات الدولية أظهرت تحسناً ملحوظاً في صورة الصين بالتزامن مع تراجع صورة الولايات المتحدة.

بين نقاط القوة والقصور

وأوضح الكاتب أن الصين استفادت من نظامها السلطوي في صياغة استراتيجيات طويلة الأمد وامتصاص الصدمات الاقتصادية، لكنها لا تزال تعاني من ضعف الابتكار ونزيف المواهب وغياب شبكة تحالفات قوية. أما الولايات المتحدة، فأبرز نقاط قوتها تكمن في مرونتها الديمقراطية وإبداعها الأكاديمي والتكنولوجي، لكنها كثيراً ما تفرّط في أهداف استراتيجية بعيدة مقابل مكاسب سياسية آنية. وأضاف أن المنافسة التكنولوجية تمثل ساحة حاسمة، إذ لا تزال واشنطن تملك تفوقاً جوهرياً بفضل جامعاتها وتحالفاتها، غير أن استثمار هذه المقومات يتطلب تنسيقاً مع الحلفاء وليس الاكتفاء برسوم جمركية أحادية الجانب. 

وأشار الكاتب إلى أن نهج إدارة بايدن في "الساحة الصغيرة والسياج العالي" في قطاع أشباه الموصلات كان أقرب إلى الحكمة الاستراتيجية.

 بين المفاجأة والارتجال

وقال الكاتب إن عنصر المفاجأة الذي نصح به سون تزو منح ترامب تفوقاً مؤقتاً في ولايته الأولى، حين فاجأ بكين بحرب تجارية وقيود على "هواوي" و"زد تي إي"، ما أربك الحسابات الصينية. لكن في ولايته الثانية، كان الوضع مختلفاً، إذ فقدت الضربة عنصر المفاجأة، وكانت بكين قد عززت دفاعاتها جيداً. وأضاف كونغ أن الصين ردت بخطوات غير متوقعة، أبرزها التلويح بورقة العناصر النادرة، وهو ما أربك ترامب وجعل بكين صاحبة المبادرة.  وأوضح الكاتب أن هذا التحول يعكس كيف نجح شي في تطبيق وصايا "فن الحرب" بشكل متقن، بينما اتسمت تحركات ترامب بالارتجال وضيق الأفق.

بطل من ورق

خلص الكاتب إلى أن ترامب أضاع أبرز مزايا القوة الأمريكية وأضعف تحالفاتها، فيما تمكنت بكين من قيادة الصراع بإيقاعها الخاص. وأكد لينغونغ كونغ أن السياسة الخارجية ليست مجرد سلسلة صفقات، بل تحتاج إلى رؤية كبرى تقوم على الحكمة القديمة: "اعرف نفسك واعرف عدوك". ومع تجاهل هذه القاعدة، لم يعد ترامب أكثر من "بطل من ورق"، فيما يواصل شي جين بينغ السير على خطى سون تزو بخطوات واثقة.