أكد الكاتب بيم بهورتيل، أستاذ الاقتصاد التنموي والاقتصاد السياسي العالمي في جامعة نيبال المفتوحة، أن مشاركة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في قمة منظمة شنغهاي للتعاون بمدينة تيانجين لم تكن إعلاناً عن تغيير استراتيجي في السياسة الخارجية للهند، بل مناورة تكتيكية فرضتها اعتبارات داخلية وضغوط خارجية.
وأضاف الكاتب في مقال بموقع "آسيا تايمز" أن صور المصافحات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين طغت على التغطية الإعلامية، لكنها لم تغيّر حقيقة التوجه الهندي الأساسي نحو الغرب. وقال الكاتب إن بعض المعلقين سارعوا إلى الحديث عن "محور جديد" يغيّر موازين القوى العالمية، فيما رأى آخرون أن حضور مودي يعكس تقارباً هندياً مع بكين وموسكو في مواجهة الغرب. وأضاف بهورتيل أن هذه التحليلات درامية وسطحية، مؤكداً أن ما كان هو مجرد تكتيك ظرفي لا أكثر.
وأوضح الكاتب أن غياب وزير الخارجية سوبراهمانيام جايشانكار، مهندس الدبلوماسية الهندية منذ 2015، كشف ضيق نطاق الزيارة وغياب البعد الاستراتيجي. وبدلاً منه، اصطحب مودي مستشاره للأمن القومي أجيت دوفال، وهو ما يعكس أن القمة كانت إدارة أمنية آنية وليست تحولاً دبلوماسياً بعيد المدى.
دوافع داخلية ضاغطة
أضاف الكاتب أن مودي يواجه وضعاً داخلياً مأزوماً: تباطؤ اقتصادي، وبطالة قياسية، وتضخم ينهك المواطنين، وانهيار الروبية أمام الدولار. وتابع أن هذه الأزمات تعاكس تماماً وعود مودي الانتخابية السابقة، ما أضعف صورته كزعيم قادر على الإنجاز. وأشار بهورتيل إلى احتجاجات المزارعين، واتهامات المعارضة بالفساد وسوء الإدارة، فضلاً عن فشل عملية "سندور" العسكرية التي قوّضت صورة مودي قائداً قوياً. وتزامن كل ذلك مع انتخابات محلية في ولاية بيهار، ما جعل مودي بحاجة إلى استعراض سياسي سريع يرمم صورته أمام الداخل. وهنا، جاءت قمة تيانجين لتوفر منصة مثالية عبر صور المصافحة مع شي وبوتين.
علاقات معقدة مع بكين وموسكو
قال الكاتب إن علاقات الهند مع الصين معقدة ومثقلة بإرث تاريخي سلبي، حرب 1962، والنزاعات الحدودية، وانهيار تفاهمات "ووهان"، و"مهاباليبورام"، والاشتباك الدموي في وادي غالوان في 2020، مشيراً إلى أن هذه الملفات لا يمكن أن تُمحى بمصافحة بروتوكولية. أما مع موسكو، فأوضح بهورتيل أن الهند تعتمد على النفط والغاز والسلاح الروسي، لكن الحرب في أوكرانيا وضغوط واشنطن جعلت نيودلهي في موقف حرج. وأضاف الكاتب أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألحّ على الهند لـ"اختيار جانب"، وهو ما دفع مودي إلى خطوة تكتيكية بزيارة الصين بعد سبع سنوات من الانقطاع، بهدف تخفيف الضغوط لا أكثر.
الاستقلالية الاستراتيجية
أوضح الكاتب أن الهند تصف سياستها الخارجية بـ "الاستقلالية الاستراتيجية" أو أحياناً "التعدد في التحالفات"، أي الانفتاح على قوى متعددة حسب القضايا. لكنه أكد أن الميل الاستراتيجي الواضح يظل لصالح الولايات المتحدة والغرب. وأضاف أن الشراكة مع واشنطن، من تبادل المعلومات الاستخبارية إلى المناورات العسكرية، هي الركيزة الأساسية لردع الصين وتحقيق النمو الاقتصادي.في المقابل، توفر بكين وموسكو خيارات تكتيكية محدودة، لا تضاهي وزن الشراكة مع الغرب.
أربعة اعتبارات أساسية
لخص الكاتب دوافع مودي في أربع نقاط:
1. استحالة التخلي عن التعاون الأمني العميق مع الولايات المتحدة.
2. الحاجة السياسية الداخلية لاستعادة صورة "الرجل القوي".
3. الاعتماد على الطاقة الروسية وإدارة العجز التجاري مع الصين.
4. الحفاظ على قنوات حوار لتفادي اشتباكات حدودية جديدة.
وتابع أن هذه الاعتبارات تؤكد أن خيار مودي الغربي هو الأساس، بينما كان ظهوره في تيانجين مجرد مسرحية سياسية تهدف لتهدئة الداخل، وطمأنة موسكو، وتذكير واشنطن بألا تستهين بالهند.
مناورة في لعبة خطيرة
خلص بيم بهورتيل إلى أن زيارة مودي للصين تكشف هشاشته الداخلية أكثر مما ترسم ملامح نظام عالمي جديد. وأوضح أن ما جرى لم يكن إعادة تموضع استراتيجي، بل خطوة اضطرارية لكسب الوقت وتخفيف الضغوط.
وأكد الكاتب أن الخيار الغربي سيظل الركيزة الأساسية لسياسة الهند، وأن الانفتاح على بكين وموسكو سيبقى في حدود التكتيك العابر. واختتم مقاله بالقول: "إذا أقدم مودي مستقبلاً على إبعاد جايشانكار، يمكن الحديث عن تحول حقيقي، أما في الوضع الراهن، فالمصافحات ليست أكثر من صور انتخابية في لعبة شديدة الخطورة."