تُولي الصحافة الفرنسية اهتماماً مُتزايداً بدولة الإمارات، ليس فقط كوجهة اقتصادية ومعمارية وسياحية مرموقة، بل كمركز مُتنامٍ للتسامح والتعايش بين الأديان والثقافات.
وفي هذا السياق، شكّلت الاكتشافات الأثرية في أبوظبي، وخاصة في جزيرة صير بني ياس، موضوعاً مُهمّاً جرى تسليط الضوء من خلاله على تاريخ طويل من التنوّع الثقافي والتعايش الديني في المنطقة.
جسر بين الحضارات
وبحسب تقرير نشرته المجلة الفرنسية العلمية المعروفة "العلم والحياة"، فإنّ اكتشاف صليب مسيحي نادر على بُعد نحو 170 كيلومتراً جنوب غرب أبوظبي، يعود إلى القرن السابع، يأتي ليُضيف بُعداً جديداً إلى هذا السرد، وليُؤكّد أنّ قيم التسامح التي تفتخر بها دولة الإمارات ليست وليدة الحاضر، بل ممتدة بجذورها إلى قرون بعيدة.
وبحسب المجلة، التي تُعدّ من أبرز المنصّات العلمية والثقافية في أوروبا والعالم، فإنّ دولة الإمارات العربية المتحدة تُثبت يوماً بعد يوم أنّها ليست فقط مركزاً للحداثة والابتكار، بل أيضاً حاضنة لتاريخ طويل من التعايش بين الثقافات والأديان.
وتُشير في عددها الأخير، إلى أنّ أحدث الاكتشافات الأثرية في أبوظبي، تُشكّل دليلاً مادياً على عُمق هذا التاريخ الروحي، وتُضيف بُعداً جديداً إلى سردية الإمارات كجسر بين الحضارات عبر العصور.
دلالات تاريخية
هذا الاكتشاف الجديد ليس الأول في جزيرة صير بني ياس، فقد سبق أن كُشف في عام 1992 عن دير مسيحي كامل يعود إلى الفترة نفسها، ما شكّل حينها مفاجأة للمؤرخين والباحثين. لكن وجود الصليب في مبنى منفصل عن الدير الرئيسي يُشير إلى أنّ الحياة الروحية لم تكن محصورة في الكنيسة المركزية، بل امتدت إلى أماكن عبادة فردية وأماكن اعتزال مخصصة للرهبان الباحثين عن العزلة.
وُتشير بعض القرائن الأثرية إلى وجود شبكة مُنسّقة للتجارة والاعتكاف الديني تربط بين سواحل الخليج العربي. ووفق تقرير المجلة، فإنّ تصميم الصليب المُكتشف يُشبه تصاميم صلبان عُثر عليها في العراق والكويت، ما يربطه بكنيسة المشرق، إحدى أقدم الكنائس الشرقية التي امتد تأثيرها حتى الصين.
أهمية هذا الاكتشاف لا تكمن في الصليب وحده، بل أيضاً في اللقى الأخرى التي عُثر عليها إلى جانبه، حيث تُشير هذه العناصر الأثرية إلى أنّ المُجتمع الذي عاش في الجزيرة كان متكاملاً ويتمتع بقدر من الرفاهية، خلافاً للصورة النمطية عن حياة الرهبان الزاهدة والمُنعزلة. كما أنها تؤكد أن هذا المجتمع كان جزءاً من شبكات التجارة والثقافة الإقليمية، ولم يكن معزولاً عن محيطه.
البُعد الثقافي
وتُشيد المجلة الفرنسية بالاهتمام الكبير الذي تُوليه دولة الإمارات لتوثيق هذا الإرث وإبرازه، باعتباره شاهداً على تاريخ طويل من التعايش الديني في المنطقة. وأشارت إلى رؤية محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، بأنّ هذا الاكتشاف يمنح شعوراً عميقاً بالفخر والاعتزاز، ويُؤكّد أنّ قيم التسامح والتعايش كانت راسخة في هذه الأرض منذ قرون.
وذكرت أنّ القطعة المُكتشفة أخيراً تُعرض في مركز الزوار بجزيرة صير بني ياس ضمن مجموعة من القطع الأثرية المحمية، فيما أُنشئ بالقرب من الموقع الأثري فضاء مخصص للحوار بين الأديان. ومُنذ عام 2019، تُكثّف إمارة أبوظبي جهودها للحفاظ على الموقع وتوفير مسارات سياحية تُتيح للزوار استكشاف هذا المشهد الروحي وسط الطبيعة البرية التي تحتضن غزلان الجزيرة.
واختتمت مجلة "العلم والحياة" تقريرها بالإشارة إلى أنّ أثر هذا الاكتشاف لا يقتصر على قيمته العلمية والتاريخية، بل يمتد إلى بناء سردية وطنية راسخة تُعزّز مكانة الإمارات كموطن للتسامح والتعددية. فالصليب الذي ظلّ مدفوناً لقرون يخرج اليوم ليُعيد إلى الواجهة أصوات من عاشوا هنا في زمن بعيد، وليؤكد أنّ التعايش بين الأديان جزء أصيل من تاريخ المنطقة.
تعايش فعلي
في صير بني ياس، تلتقي الطبيعة والروحية لتُشكّلا معاً مشهداً ثقافياً حيّاً يروي قصة الماضي ويُغذّي حاضر البلاد، مُؤكّداً أنّ الإمارات ليست فقط حاضنة للحداثة، بل أيضاً أمينة على إرث حضاري عريق يستحق أن يُروى للأجيال المُقبلة.
وترى سيسيل ماري لاجامبي، الكاتبة الصحفية المُختصّة في يومية "لا كروا" الفرنسية أنّ هذا الاكتشاف الأثري المُهم قبالة سواحل أبوظبي، يُعدّ شاهداً على التعايش التاريخي بين المسيحية والإسلام في منطقة الخليج العربي.
وتعتبر أنّ ذلك يكشف عن جانب مُهم من تاريخ الإمارات العربية المتحدة، لم يكن معروفاً من قبل، فبينما يُعزى اختفاء المسيحيين في منطقة الخليج العربي تقليدياً إلى انتشار الإسلام، يُظهر تأريخ هذا الموقع المُكتشف فيه الصليب في أبوظبي تعايشاً فعلياً في القرن السابع، حيث استمرت المسيحية فترة طويلة في المنطقة بعد وصول الإسلام إليها.