يبدو أن أزمة سد النهضة لم تعد تقتصر على مسألة حجز المياه وتخزينها منفرداً، ومن ثم التأثير المباشر على دول المصب، مصر والسودان، بل امتدت لتشمل تداعيات إدارة السد والتخبط في إجراءات تصريف المياه، وقد انعكس ذلك سلباً على كلا البلدين، لا سيما السودان، الذي تكبد آثاراً كارثية نتيجة ارتفاع منسوب المياه.
تتخذ وزارة الري المصرية، ممثلة بالحكومة، سلسلة من الإجراءات للحفاظ على منسوب بحيرة ناصر، بما يضمن عدم التأثير على مستوى السد العالي، رغم الزيادات المفاجئة في مياه نهر النيل.
إجراءات عاجلة
قال أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، إن الإدارة المصرية لجأت إلى مفيض توشكي لتصريف كميات تتراوح بين 100 و200 مليون متر مكعب خلال الأيام المقبلة، للحفاظ على منسوب بحيرة ناصر عند 182 متراً.
وأضاف شراقي لـ24، أن التخبط الإثيوبي في تشغيل سد النهضة تسبب في فيضانات شديدة بالسودان خلال الأشهر الماضية، نتج عنها خسائر كارثية، مؤكداً ضرورة أن تعلن إثيوبيا خريطة زمنية واضحة لتصريف المياه من سد النهضة، بما يتيح لمصر والسودان اتخاذ الإجراءات اللازمة، وهو ما طالبت به مصر ضمن إطار إدارة مشتركة للسد.
مصر تتخذ خطوات استباقية
ونشر مجلس الوزراء المصري مؤخراً الإجراءات التي اتخذتها وزارة الري لمواجهة تدفق المياه الزائدة من سد النهضة.
ووفقاً لآليات إدارة وتشغيل السدود، كان من المتوقع خفض منسوب المياه في بحيرة السد تدريجياً من 640 متراً إلى نحو 625 متراً بنهاية العام المائي، وهو نطاق التشغيل الطبيعي للسد، لضمان مرونة كافية لمواجهة التغيرات الهيدرولوجية المحتملة.
إلا أن هذا لم يحدث، إذ تم الإسراع في غلق مفيض الطوارئ في 8 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ما أدى إلى خفض التصريفات إلى حوالي 139 مليون متر مكعب، ثم استقرت عند متوسط 160 مليون متر مكعب يومياً حتى 20 أكتوبر، أي تشغيل نحو 50% فقط من التوربينات المتاحة.
واعتبرت وزارة الري هذا الأسلوب في التشغيل غير منضبط هيدرولوجياً، إذ يتم خفض التصريف لزيادة التخزين ورفع المنسوب، ثم إعادة تصريف المياه لاحقاً بكميات مفاجئة تتجاوز الحاجة الفعلية، بدلاً من التصريف التدريجي وفق القواعد الفنية السليمة.
وأوضحت الوزارة أن هذا النمط يعكس غياب خطة تشغيل علمية مستقرة ورؤية واضحة لإدارة السد، مما يعرض مجرى نهر النيل لتقلبات غير مأمونة.
كما أوضحت الوزارة أن هذه التصرفات أحادية الجانب تهدد حقوق ومصالح دولتي المصب، وتؤثر على تشغيل السدود الواقعة خلف السد الإثيوبي مباشرة، التي تضطر لاتخاذ إجراءات تحفظية لاستيعاب التغيرات المفاجئة وضمان التشغيل الآمن.
تأثير على مشاريع تطوير منظومة المياه
أدت هذه التطورات أيضاً إلى تأجيل استكمال أعمال رفع القدرة التصريفية لقناة ومفيض توشكي، ضمن خطة التطوير الشاملة للمنظومة المائية، نتيجة توجيه الجهود للتعامل مع الزيادات المفاجئة وغير المنضبطة في كميات المياه الواردة من أعالي النيل.