قالت الكاتبة لين زوفيغيان، الدبلوماسية الإنسانية ومؤسسة Zovighian Public Office، إن زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى بيروت مثلت لحظة فارقة أعادت وضع لبنان على خريطة الحوار العالمي، وأظهرت قدرة هذا البلد، رغم جراحه العميقة، على أن يكون منصة للسلام.

وأضافت الكاتبة في مقالها بموقع مجلة "نيوزويك" الأمريكية أن البابا أطلق من موقع انفجار مرفأ بيروت نداءً قوياً إلى المجتمع الدولي ألا يدّخر جهداً في دعم مسارات المصالحة والحوار في الشرق الأوسط، في رسالة حملت بُعداً روحيّاً وسياسياً في آن واحد، وسط تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية وعودة الشكوك حول قدرة لبنان على نزع سلاح حزب الله.

بعد أول مفاوضات مباشرة..لبنان: المحادثات مع إسرائيل ليست تطبيعاً - موقع 24قال رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام اليوم الأربعاء، إن المحادثات في إطار لجنة وقف إطلاق النار، التي انضمّ إليها ممثلان مدنيان إسرائيلي ولبناني، ليست محادثات "سلام".

لبنان يعيد تقديم نفسه

أوضحت الكاتبة أن الزيارة، التي جرت تحت شعار "طوبى لصانعي السلام" أطلقت دينامية جديدة غير مسبوقة، كان أبرز مظاهرها تخلي البابا عن السيارة المصفحة واستبدالها بعربة غولف بين آلاف المؤمنين، في مشهد جسد الثقة وروح التقارب.

 وتابعت الكاتبة قائلة إن الطوائف اللبنانية، بما فيها الأقليات الصغيرة التي لا يتجاوز عدد أفرادها عشرة آلاف، ظهرت لأول مرة منذ سنوات موحدة خلف رسالة العيش المشترك، مما أعاد للبنان جزءاً من صورته القديمة كمنارة للتنوع والانفتاح.

وأضافت الكاتبة أن العلامة الأبرز كانت تحوّل الصورة الدولية للبنان من دولة تعاني الفوضى وانعدام الأمن إلى بلد قادر على استقبال حدث عالمي عالي المخاطر بمعايير مهنية، ما منحه رصيداً جديداً من الاحترام والصدقية لدى الشركاء الدوليين.

رسالة مضاعفة

وقالت الكاتبة إن نجاح الزيارة كان رسالة مضاعفة: فمن جهة، أثبت لبنان أنه قادر على التنظيم والتأمين والإدارة رغم الانهيار المالي والسياسي. ومن جهة ثانية، لم يحاول اللبنانيون إخفاء آلامهم؛ بل استقبلوا البابا بصدق وتجرد، مقدمين أنفسهم كأمة مجروحة لكنها واقفة.

وأوضحت الكاتبة أن هذا المزيج من الضعف والكرامة كان بحد ذاته رسالة دبلوماسية شديدة التأثير: فالهشاشة ليست ضعفاً، بل قوة أخلاقية حين تُوظّف في خدمة السلام.

وأضافت الكاتبة إن هذا الانكشاف الإنساني أعاد إلى لبنان قدرته على التأثير، لأنه يذكّر العالم بأن الشعوب التي مرّت بالمآسي يمكن أن تكون أيضاً مصادر للحكمة وإعادة البناء.

تعبنا من المهاترات..عون: يجب أن يكون حزبناً واحداً هو لبنان - موقع 24قال الرئيس اللبناني جوزف عون، إن اجتماع اللبنانيين من مختلف أطيافهم خلال زيارة البابا ليون الـ14، إلى لبنان لم يكن فقط حول شخصه، بل كان حول ما يمثله رسولاً للسلام.

الناجون أولاً

أشارت الكاتبة إلى أن الناجين كانوا محور الرحلة البابوية، بدءاً من الشباب الذين تحدثوا عن تجاربهم مع الحرب، مروراً بمرضى الصحة النفسية والموظفين الذين استمروا بالعمل رغم الانهيار، وصولاً إلى عائلات ضحايا انفجار المرفأ الذين ما زالوا ينتظرون العدالة.

وقالت الكاتبة إن البابا ليون الرابع عشر خاطب اللبنانيين جميعاً بوصفهم ناجين ذوي كرامة، لا مجرد ضحايا.

وأضافت أن البابا أعاد تعريف المرونة التي سئم اللبنانيون سماعها، إذ لم يطلب منهم احتمال الأزمات، بل دعاهم إلى تحويل صمودهم إلى طاقة قيادية لصناعة السلام.

وتابعت موضحة أن هذه المقاربة جعلت المجتمع اللبناني يرى نفسه من جديد: لا كمنكوب منهك، بل كجماعة يمكن أن تلعب دوراً في المصالحة الإقليمية.

عودة لبنان إلى طاولة السلام

أوضحت الكاتبة أن البابا ختم زيارته بجملة لافتة قال فيها: نحن لا نفترق، بل نمضي معاً إلى الأمام. ورأت أن هذه العبارة حملت وعداً باستمرار الدعم، وفتحت الباب أمام تحوّل استراتيجي في موقع لبنان الدبلوماسي. فنجاح الزيارة، كما تقول الكاتبة، أظهر أن لبنان قادر على لعب دور الوسيط ومضيف الحوار، في زمن باتت فيه قنوات السلام في الشرق الأوسط أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

وأضافت الكاتبة أن السؤال اليوم لم يعد: هل يستطيع لبنان النجاة؟ بل صار: هل سيعترف العالم بفرادة لبنان وقدرته على تقديم حلول؟ فلبنان يمتلك عناصر محورية لبناء السلام، من بينها العيش المشترك، والبنية المدنية، وتجاربه الطويلة مع التنوع، وهو ما يجعله منصة طبيعية للمصالحة إن توفرت الإرادة الدولية.

لبنان بحاجة إلى مقاربة جديدة

قالت الكاتبة إن زيارة البابا كشفت حدود النهج الدولي التقليدي تجاه لبنان، الذي بقي لعقود محصوراً في إدارة الأزمات بدلاً من تمكين اللبنانيين كشركاء فاعلين. وأوضحت أن ما أثبته لبنان خلال الرحلة البابوية هو أن الوكالة المحلية ما تزال حية، وأن المجتمع قادر على العمل حين يُترك له المجال.

وأضافت الكاتبة أن التحدي اليوم هو ما إذا كانت الدول المؤثرة، من الشرق والغرب، ستتخلى عن رؤية لبنان كملف أمني، وتبدأ بدل ذلك بالتعامل معه كحاضنة سلام ذات قدرات كامنة. وتابعت مؤكدة أن لبنان ازدهر عندما مُنح مساحة ليمارس إنسانيته كاملة، والسؤال: هل سيلاقيه العالم بهذا المستوى من الشجاعة والانفتاح؟

من لبنان.. بابا الفاتيكان يدعو إلى الوحدة والسلام - موقع 24شدد البابا ليون الرابع عشر الثلاثاء على أن الشرق الأوسط يحتاج الى "مقاربات جديدة" من أجل تخطي "عقلية الانتقام والعنف" وتجاوز الانقسامات السياسية والدينية، داعيا مسيحيي المشرق الى "التحلي بالشجاعة".

لبنان بين جراحه ورسالته

اختتمت الكاتبة بالقول إن لبنان خرج من زيارة البابا ليون الرابع عشر ليس فقط بانتعاش معنوي، بل بفرصة سياسية حقيقية لإعادة التموضع كبلد قادر على جمع المتخاصمين وصياغة رؤى سلام. 

وأضافت أن الجرأة والإنسانية التي أظهرها اللبنانيون يجب ألا تُهدر، وأن العالم مدعو إلى إعادة النظر في تعامله مع بلد لم يفقد دوره، رغم كل ما فقده من استقرار. 

وخلصت الكاتبة إلى أن مستقبل السلام في الشرق الأوسط قد يمر عبر بيروت إذا قرر المجتمع الدولي الاستثمار في هذا اللبنان الجديد الذي ظهر خلال الأيام القليلة الماضية.