قالت الباحثة المتخصصة في الشأن الإيراني فاطمة أمان إن انضمام إيران إلى مجموعة "بريكس" مطلع عام 2025 مثّل، في الخطاب الرسمي بطهران، إعلاناً عن كسر العزلة الدولية والصمود في وجه واحدة من أطول حملات العقوبات في التاريخ المعاصر، مضيفة أن هذا الانضمام، الذي قُدّم للجمهور المحلي بوصفه انتصاراً استراتيجياً، سرعان ما كشف عن فجوة واسعة بين التوقعات السياسية والنتائج الاقتصادية الفعلية.
وأوضحت أمان، في تحليل نشره موقع مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية، أن "بريكس" منحت إيران اعترافاً رمزياً ومظلّة سياسية، لكنها لم توفّر لها أدوات حقيقية لتجاوز العقوبات أو إحداث اختراق نوعي في أزمتها الاقتصادية المزمنة.
هروب جماعي وانهيار اقتصادي وشلل سياسي.. إيران تتآكل من الداخل - موقع 24قالت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، إن إيران لا تزال تتخبط في التداعيات القاسية لـ"حرب الـ12 يوماً" التي خاضتها الصيف الماضي ضد إسرائيل والولايات المتحدة، في وقت يعاني فيه النظام من جمود سياسي عميق وانهيار اقتصادي متسارع، ما يدفع الإيرانيين إلى الهروب من بلادهم بحثاً عن أي أمل في ...
نادي بكين وموسكو
أشارت الكاتبة إلى المفارقة التاريخية في مسار السياسة الخارجية الإيرانية، إذ إن الدولة التي رفعت منذ الثورة شعار "لا شرقية ولا غربية" وجدت نفسها اليوم عضواً في تكتل تقوده الصين وروسيا. وأضافت أن هذا التحول لم يكن وليد قناعة أيديولوجية جديدة، بل نتيجة مسار طويل من الضغوط والعزلة.
وتابعت أن إيران، في سنواتها الأولى بعد الثورة، قدّمت نفسها بوصفها صوت المستضعفين وركيزة من ركائز حركة عدم الانحياز، غير أن الحرب مع العراق، ثم العزلة التسليحية والمالية، حوّلت الاستقلال إلى مرادف للعزلة القسرية.
العقوبات تغيّر البوصلة نحو الشرق
قالت أمان إن تشديد العقوبات على البرنامج النووي الإيراني خلال العقدين الماضيين، ثم حملة الضغط الأقصى الأمريكية عام 2018، دفع طهران إلى تبني سياسة التوجّه شرقاً بوصفها خيار بقاء لا خيار رفاه.
وأضافت أن توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع الصين لمدة 25 عاماً عام 2021، ثم التقارب العسكري مع روسيا وظهور الطائرات المسيّرة الإيرانية في الحرب الأوكرانية، مهّد الطريق لانضمام طهران إلى منظمة شنغهاي للتعاون، ثم لاحقاً إلى "بريكس".
عضوية بلا إنقاذ اقتصادي
أوضحت الكاتبة أن إيران روّجت لانضمامها إلى "بريكس" كدليل على فشل سياسة عزلها، إلا أن الواقع كشف أن المجموعة لا تشكّل طوق نجاة اقتصادياً للدول الخاضعة للعقوبات.
وأضافت أن بنك التنمية الجديد التابع لـ "بريكس" يتجنّب التعامل مع الدول الخاضعة للعقوبات خشية التعرض لإجراءات أمريكية، كما أن الصين نفسها تحرص على عدم تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تستجلب ردود فعل من واشنطن.
وتابعت أن الاتفاقيات المعلنة غالباً ما تبقى في إطار مذكرات تفاهم، بينما تغيب العقود الفعلية وخطوط الائتمان، بسبب اعتبارات المخاطر والامتثال للنظام المالي العالمي.
"إيران ترتجف".. أهم سلعة استهلاكية في طريقها إلى النفاد - موقع 24ألقت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية الضوء على أزمة السلع الاستهلاكية التي تعاني منها إيران، وقالت إن مسؤولين كباراً في قطاع الأدوية في إيران يحذرون من نقص حاد، حيث يكفي مخزون الأدوية وحليب الأطفال لأقل من شهرين فقط، ومن المتوقع أن يختفي نحو 800 دواء من السوق بسبب ارتفاع الأسعار وفشل منظومة ...
غطاء سياسي
قالت أمان إن القيمة الحقيقية التي تجنيها إيران من "بريكس" تكمن في الغطاء السياسي لا في العوائد المالية. فالمجموعة تمنح طهران منصة دولية وصورة شراكة متعددة الأطراف، لكنها لا تغيّر ميزان القوة داخل التكتل.
وأضافت أن إيران تحاول استثمار هذه العضوية لتحقيق مكاسب تقنية محدودة، مثل بيع النفط بعملات غير الدولار، أو تعزيز ممرات النقل بين الشمال والجنوب، وربط التجارة مع الهند وروسيا عبر الخليج وبحر قزوين، غير أن هذه الخطوات تظل محدودة الأثر.
عقود من سوء الحوكمة تخنق إيران.. عندما يصبح الهواء قاتلاً - موقع 24قال باحثون في مجال البيئة، إن إيران تواجه اليوم واحدة من أخطر أزمات الصحة العامة في تاريخها الحديث، لا بسبب حرب أو كارثة طبيعية أو حتى العقوبات الدولية، بل بسبب الهواء الذي يتنفسه المواطنون يومياً.
الميزان المختل
أوضحت الكاتبة أن الصين باتت تشتري أكثر من 90 في المئة من صادرات النفط الإيراني، بنحو 1.4 مليون برميل يومياً حتى منتصف 2025، لكن بأسعار مخفّضة وبوساطة شبكات معقدة.
وأضافت أن هذا الاعتماد يعكس اختلالاً بنيوياً في العلاقة، إذ تمثّل الصادرات الإيرانية نسبة ضئيلة من واردات الصين، بينما تشكّل شرياناً حيوياً للاقتصاد الإيراني. ووصفت خطاب نزع الدولرة الذي ترفعه طهران بأنه أقرب إلى سردية سياسية منه إلى تحول مالي حقيقي.
العقوبات تظل الحكم الفاصل
تابعت أمان أن العقبة الأساسية أمام استفادة إيران من "بريكس" تبقى العقوبات الأمريكية، ولا سيما القوانين التي تتيح معاقبة أي طرف أجنبي يتعامل مع القطاعات الحساسة في الاقتصاد الإيراني.
وأضافت الكاتبة أن معظم مؤسسات "بريكس"، بما فيها الصينية، ما تزال تعتمد على أنظمة تأمين وتسوية مرتبطة بالدولار، ما يجعلها حذرة من الانخراط العميق مع طهران.
لإنهاء هيمنة أوروبا..وزراء مالية بريكس يطالبون بإصلاح صندوق النقد الدولي - موقع 24طالب وزراء مالية مجموعة بريكس للاقتصادات الناشئة، أمس السبت، بإصلاح صندوق النقد الدولي، بما في ذلك توزيع جديد لحقوق التصويت، وإنهاء تقليد الإدارة الأوروبية للصندوق.
تضامن محدود بلا ضمانات
أشارت الكاتبة إلى أن مواقف "بريكس" السياسية تجاه إيران غالباً ما تقتصر على بيانات تضامن عامة. ففي قمة ريو دي جانيرو، أدانت المجموعة «لهجمات الأحادية على إيران، لكنها تجنبت تسمية إسرائيل، ما عكس حدود التوافق داخل التكتل.
وأضافت أن هذا الموقف أظهر أن وحدة "بريكس" السياسية تتوقف عند تعارض مصالح أعضائها مع علاقاتهم بالغرب.
مقعد بلا تأثير
خلصت فاطمة أمان إلى أن "بريكس" تمثّل لإيران مرآة لواقعها أكثر من كونها محطة تحول. فهي تعكس قدرة طهران على التكيّف مع القيود، لا تجاوزها. وأضافت أن العضوية تمنح إيران حضوراً دولياً، لكنها لا تمنحها قدرة حقيقية على التأثير في قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية.
وختمت الكاتبة بالقول إن تحويل هذا المقعد إلى نفوذ فعلي يتطلب إصلاحات داخلية عميقة، وشفافية مالية، ورؤية اقتصادية واضحة، وهي شروط لا يمكن لأي تكتل دولي أن يعوّض غيابها. فـ"بريكس" منحت إيران مقعداً على الطاولة، لكنها لم تمنحها حق اختيار القائمة.