في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها السياسة الدولية، تعود إلى الواجهة مفاهيم قديمة بثوب جديد، أبرزها "مجالات النفوذ"، وتقاسم مناطق السيطرة بين القوى الكبرى. وفي هذا الإطار، طرح الكاتب الصحافي بيل إيموت إشكالية مركزية تتعلق بمستقبل أمن آسيا في ظل مقاربة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونائبه جيه دي فانس، وهي مقاربة لا تنطلق من منطق التحالفات التقليدية، بل من تفسير ضيق لمصالح الولايات المتحدة، يثير قلق الحلفاء الآسيويين ويضعهم أمام أسئلة صعبة حول مستقبل التوازنات الإقليمية.

وقال بيل إيموت، الكاتب والمحلل السياسي البريطاني،ورئيس تحرير مجلة إيكونوميست سابقاً، وأحد الأصوات المعروفة في قضايا السياسة الدولية والعلاقات الآسيوية الدولية، في صحيفة Mainichi Shimbun  اليابانية باليابانية والإنجليزية، وأُعيد نشره على موقع "آسيا تايمز"، إن الحقيقة الجوهرية في رئاسة ترامب وفانس، كما أكدتها وثائق السياسة الجديدة، هي أن هذه الإدارة لا تُبدي اهتماماً يُذكر بما كان يُعرف سابقاً بالغرب، ولا تنظر إلى الحلفاء بوصفهم رصيداً أساسياً في سياستها الخارجية. وأضاف الكاتب أن مفهوم "أمريكا أولاً" الذي تبلور في 2025 ليس انعزالياً، بل يقوم على أولوية تفسير ضيق للمصلحة القومية الأمريكية. وأوضح الكاتب أن هذا التفسير يجعل الحلفاء عبئاً في أحيان كثيرة، و حتى عائقاً أمام تلك المصالح، ما يؤدي إلى التعامل معهم بمنطق نفعي تبادلي؛ يُرحَّب بهم عندما تقتضي الحاجة، ويُهمَّشون أو يُتجاوزون عندما تنتفي المنفعة.

برود الدعم الأمريكي 

وتابع الكاتب أن هذا النهج بدا واضحاً في الفتور الملحوظ الذي أبداه ترامب وفريقه تجاه رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكاييتشي في خلافها مع الصين حول تايوان، وكذلك في السلوك المستفز والمتعمد من سلاح الجو الصيني ضد الطائرات اليابانية. وأضاف الكاتب أن نائب وزير الدفاع للسياسات، إلبريدج كولبي، دعا اليابان سابقاً إلى توضيح موقفها العسكري إذاتعرضت تايوان لغزو أو إكراه، لكن حين فعلت طوكيو ذلك بالفعل، ساد الصمت من جانب ترامب وإدارته.

استراتيجية الأمن القومي

وأوضح الكاتب أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية حافظت شكلياً على موقف تقليدي من تايوان، مؤكدة رفض أي تغيير قسري للوضع القائم، وضرورة الحفاظ على الردع العسكري لتجنب الصراع. وأضاف الكاتب أن المراجعة المرتقبة للانتشار العسكري العالمي، قد تعزز هذا النهج، بما يوحي باستمرارية سياسية محدودة. لكن الكاتب شدد على أن غياب الاستمرارية كان صارخاً في تعريف التهديدين الصيني والروسي، إذ كادت روسيا أن تُغيب تماماً بوصفها تهديداً، واكتفى النص بالدعوة إلى إعادة الاستقرار الاستراتيجي معها، متجاهلاً أن غزوها لأوكرانيا دمّر هذا الاستقرار في أوروبا.

شريك محتمل لا خصماً

ويرى الكاتب أن هذا التجاهل ليس مفاجئاً في ضوء سلوك الإدارة الأمريكية أخيراً، حيث أعلنت عقوبات وُصفت لاحقاً بالوهمية على بعض شركات النفط الروسية، ثم طرحت خطة سلام لأوكرانيا صيغت، في جوهرها، وفق الرؤية الروسية. وأضاف الكاتب أن موسكو تُعامل اليوم بوصفها حليفاً محتملاً في المستقبل، لا تهديداً قائماً.

خطر اقتصادي أم تحدٍ عسكري؟

وأشار الكاتب إلى أن لغة الوثيقة حول الصين اعترفت بوجود منافسة استراتيجية بين القوتين الأعظم في العالم، وبأهمية غرب المحيط الهادئ، وسلسلة الجزر الممتدة من اليابان مروراً بتايوان، وصولاً إلى الفلبين. غير أن الاستراتيجية عرّفت الصين أساساً تهديداً اقتصادياً، لا عسكرياً. وأضاف الكاتب أن هذا التركيز قد يرتبط بالمفاوضات الجارية بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ حول التجارة والتكنولوجيا، لكنه يظل باعثاً على القلق لدى الحلفاء الآسيويين الذين يعتمد أمنهم على وضوح الردع العسكري لا على الحسابات الاقتصادية وحدها.

مبدأ مونرو 

وأوضح الكاتب أن على حلفاء آسيا التوقف عند اللغة التي استخدمتها الاستراتيجية مع نصف الكرة الغربي، في إشارة إلى استدعاء "مبدأ مونرو" الذي اعتبر الأمريكيتين مجال نفوذ حصرياً للولايات المتحدة. وتابع الكاتب أن هذا الاستدعاء يذكّر بما عُرف لاحقاً بـ"ملحق روزفلت"، الذي أجاز استخدام القوة العسكرية لحماية تلك المصالح. ورأى الكاتب أن القادة الصينيين سيرون في ذلك نسخة ترامبية من هذا المبدأ، مع تشابه واضح مع ما تسعى إليه بكين في بحر الصين الجنوبي والشرقي، أي فرض سيطرة استراتيجية داخل السلسلة الجزرية الممتدة من اليابان إلى الفلبين.

وأضاف الكاتب أن السياسة الخارجية لإدارة ترامب لم تُعرف يوماً بالاتساق، ما يفتح الباب أمام احتمال أن يعتبر ترامب حماية المجال الأمريكي متوافقة مع منع الصين من السيطرة على مجالها الاستراتيجي. لكن الكاتب حذّر من احتمال آخر أكثر خطورة، أي أن يسمح ترامب للصين وروسيا بترسيخ مجالات نفوذ لهما، على نحو يصعب على الإدارات اللاحقة التراجع عنه.

خيارات آسيا 

في ختام تحليله، قال الكاتب إن منع هذا السيناريو يجب أن يكون أولوية دبلوماسية قصوى لكل دول المنطقة، سواء على مستوى الحكومات الوطنية، أو من خلال رابطة دول جنوب شرق آسيا. فالتحدي لا يكمن فقط في امتلاك القدرات العسكرية، بل في توفر الإرادة السياسية الجماعية القادرة على كبح عودة منطق تقاسم العالم إلى مناطق نفوذ، مع ما يحمله ذلك من مخاطر مباشرة على أمن آسيا واستقرارها.