شكّل انعقاد الاجتماع الروسي الأوكراني الذي فاجئ العالم قبل 3 أيّام في أبوظبي، بحضور أمريكي رفيع المستوى، حدثاً دبلوماسياً لافتاً استوقف الصحافة الفرنسية كثيراً، ليس فقط بسبب توقيته أو طبيعة المُشاركين فيه، بل أيضاً بسبب المكان الذي اختير لاحتضانه.
ورأت عدّة وسائل إعلام فرنسية، أنّ استضافة الإمارات لهذه المُحادثات تعكس تحوّلاً نوعياً في أدوار الوساطة الدولية، حيث لم تعد محصورة بالعواصم التقليدية في أوروبا أو الأمم المتحدة، بل باتت تنتقل إلى منصّات "مُحايدة ومرنة" أهمها أبوظبي، ما يعني تحوّلاً في مراكز الثقل الدبلوماسي.
مساحة آمنة للحوار
وركّزت صحف فرنسا على أنّ الإمارات لم تطرح نفسها كوسيط صاخب أو طرف ضاغط، بل كـ"مساحة آمنة للحوار"، وهو توصيف تكرر في أكثر من تحليل. فاختيار أبوظبي، بحسب القراءات، لم يكن صدفة، بل نتيجة صورة رسّختها الإمارات خلال السنوات الأخيرة كدولة قادرة على التواصل المُتوازن مع أطراف مُتخاصمة، والحفاظ على قنوات مفتوحة مع موسكو وكييف وواشنطن في آن واحد.
صحيفة "لو موند" أشارت إلى أنّ اللقاء في أبوظبي يُعدّ "أوّل اتصال مباشر من هذا المستوى بين ممثلين روس وأوكرانيين منذ أشهر، جرى بعيداً عن العواصم الأوروبية التقليدية".
ولفتت إلى أنّ اختيار الإمارات "يعكس البحث عن أرض مُحايدة قادرة على استضافة مُحادثات حساسة من دون ضغوط سياسية أو إعلامية مباشرة".
وأكدت اليومية الفرنسية أنّ أبوظبي لا تسعى لفرض أجندة أو إلى تسجيل مكاسب سياسية علنية، وهو ما جعلها مقبولة ومُقدّرة من جميع الأطراف.
ثقة واشنطن في الدبلوماسية الإماراتية
وفي السياق نفسه، رأت "فرانس 24"، أنّ انعقاد الاجتماع في أبوظبي "يُؤكّد تنامي دور الإمارات كمنصّة دبلوماسية موثوقة، قادرة على جمع أطراف مُتخاصمة في لحظة شديدة التعقيد".
وأضافت أنّ الإمارات "لم تطرح نفسها وسيطاً سياسياً، بل وفّرت الظروف اللوجستية والسياسية التي تسمح بإطلاق حوار أوّلي".
كما توقفت التحليلات في برامج القناة الفرنسية عند الحضور الأمريكي في المُحادثات، مُعتبرةً أنّه عامل أساسي منح الاجتماع وزناً دولياً، من دون أن يُشعر أي طرف بأنه واقع تحت هيمنة سياسية أوروبية مباشرة.
وأشارت إلى أنّ مُشاركة الولايات المتحدة تعكس ثقة واشنطن في الدبلوماسية الإماراتية، وفي قُدرة أبوظبي على إدارة لقاءات حسّاسة بعيداً عن الاستقطاب الأوروبي.
بُنية دبلوماسية مُحترفة
من جهتها، وصف شبكة "فرانس أنفو" الأكثر مُتابعة في فرنسا، مُحادثات أبوظبي بأنّها خطوة مُشجّعة نحو السلام في أوكرانيا، وهي تُعد أوّل مُفاوضات مباشرة معروفة بين موسكو وكييف بشأن الخطة الأمريكية لتسوية الحرب، وقد جرت في أجواء إيجابية وبنّاءة، ما يعكس دور الإمارات كمنصّة للحوار والدبلوماسية ودعم جهود السلام الدولية، مُبرزةً الشكر الذي وجّهه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للإمارات وامتنانه لرئيس الدولة، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، على جهود الوساطة والدور الإنساني والدبلوماسي الذي تقوم به أبوظبي في دعم فرص السلام والاستقرار.
وفق محللين فرنسيين، يُنظر إلى هذا الدور الإماراتي كجزء من دبلوماسية "الهدوء الاستراتيجي". فقد أشارت "لو موند" إلى أنّ الاجتماع عُقد بعيداً عن الأضواء الأوروبية، وفي مناخ سياسي أقل توتراً، ما سمح للأطراف بالجلوس إلى الطاولة من دون ضغط الرأي العام أو التصعيد الإعلامي.
وهذا العامل، هو أحد أسباب اختيار أبوظبي، التي تتمتع ببنية دبلوماسية مُحترفة وقدرة تنظيمية عالية، إضافة إلى سجل سابق حافل في استضافة مُحادثات حساسة وملفات تبادل أسرى وجهود إنسانية مُرتبطة بالحرب نفسها.
دولة ذات تأثير مُتزايد في ملفات السلم والأمن
اللافت في التغطية الفرنسية أيضاً هو الربط بين هذا الحدث وبين التحوّل الأوسع في السياسة الخارجية الإماراتية، التي باتت تُقدَّم كنموذج لدولة ذات تأثير مُتزايد في ملفات السلم والأمن الدوليين. فبدلاً من الاصطفاف الحاد، تعتمد أبوظبي، كما ترى الصحافة الفرنسية، على البراغماتية، وبناء الثقة، والاستثمار في الدبلوماسية الوقائية.
ورغم أنّ الصحف الفرنسية كانت واقعية في تقييم نتائج الاجتماع، مؤكدةً أنه لم يُفضِ إلى اختراق فوري في مسار الحرب، فإنّها شددت في ذات الوقت على أنّ قيمة الحدث تكمن في انعقاده بحدّ ذاته. فمُجرّد جلوس روسيا وأوكرانيا إلى طاولة واحدة، في ظلّ استمرار المعارك، يُعدّ خطوة نادرة، تُحسب لدولة الإمارات التي وفّرت الإطار السياسي واللوجستي لذلك، فنجحت في إبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، وهو إنجاز مُهم في زمن الحروب الطويلة.