اندلعت شرارة مواجهة عالية المخاطر في أروقة صنع القرار الأمريكي هذا الأسبوع، بعدما أقدم وزير الدفاع، بيت هيغسيث، على إنهاء تعاملات البنتاغون مع شركة "أنثروبيك" (Anthropic) الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، مستخدماً قانوناً صُمم خصيصاً لمواجهة تهديدات سلاسل التوريد الأجنبية، ليضع بذلك "وصمة" قانونية على جبين شركة أمريكية في سابقة لم يشهدها قطاع التكنولوجيا من قبل.

واتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير دفاعه، الشركة، التي تعد النجم الصاعد في سماء الذكاء الاصطناعي، بتعريض الأمن القومي للخطر، إثر رفض رئيسها التنفيذي، داريو أمودي، الرضوخ لمطالب البنتاغون بفتح تقنيات "كلاود - Claude" وبقية منتجات الشركة للاستخدام العسكري غير المشروط، خاصةً في عمليات المراقبة الجماعية أو تزويد الطائرات المسيرة المسلحة ذاتية القيادة بقدرات تدميرية.

 وفي المقابل، تعهدت الشركة التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها بمقاضاة الحكومة، واصفة الإجراء بأنه "غير سليم قانونياً" ولم يسبق تطبيقه علانية على شركة أمريكية.

حصن بكين الرقمي.. كيف استقلت الصين بذكائها الاصطناعي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية؟ - موقع 24تتسارع خُطى بكين نحو صياغة واقع تكنولوجي جديد يعيد رسم خارطة القوى العالمية، حيث كشفت التطورات الأخيرة عن توجه صيني حاسم نحو الاستقلال التكنولوجي الكامل بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.

من هي "أنثروبيك"؟ ولماذا كل هذه الضجة؟

"أنثروبيك" ليست مجرد شركة ناشئة في وادي السيليكون، بل تعد "ضمير" الذكاء الاصطناعي كما يراها البعض، حيث تأسست في عام 2021 على يد قادة تركوا شركة "OpenAI"، مطورة تطبيق شات جي بي تي، وعلى رأسهم داريو ودانييلا أمودي، اللذان غادرا الشركة الأم بسبب مخاوف جدية بشأن سلامة التوجهات التجارية وتهميش أخلاقيات الآلة.

وتكمن قوة أنثروبيك في ثلاثة محاور رئيسية:

- الذكاء الاصطناعي الدستوري (Constitutional AI): بدلاً من الاكتفاء بفلترة النتائج، تقوم الشركة ببرمجة نماذجها لاتباع "دستور" مكتوب يضمن أن تكون المخرجات مفيدة، وصادقة، وغير ضارة.

- هيكل الشركة (Public Benefit Corporation): هي شركة ذات نفع عام ملزمة قانوناً بمراعاة الأثر الاجتماعي وليس فقط أرباح المساهمين.

- القدرة التقنية الهائلة: يُعتبر نموذجها "Claude" (كلاود) المنافس الأشرس لـ شات جي بي تي، بل ويتفوق عليه في مجالات البرمجة، وتحليل الوثائق الطويلة جداً، والمنطق المعقد.

سلاح واشنطن الرقمي.. لماذا يعد "كلاود" أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي؟ - موقع 24أثارت أداة الذكاء الاصطناعي "كلاود" (Claude) ضجة واسعة في الأوساط التكنولوجية والسياسية الدولية، وذلك عقب الكشف عن اعتماد الولايات المتحدة عليها كركيزة تقنية في عمليات عسكرية واستخباراتية بالغة الحساسية، كان أبرزها عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

تداعيات "الوصم" الأمني

ووفق متخصصين فإن تصنيف شركة "أنثروبيك" ضمن "مخاطر سلاسل التوريد" الذي وضعه البنتاغون يعني عملياً:

- إلغاء عقود مباشرة بقيمة تصل إلى 200 مليون دولار.

- حظر التعامل بين "أنثروبيك" وأي مقاول دفاعي آخر.

- منح الوكالات الحكومية مهلة 6 أشهر للتخلص التدريجي من تقنيات "كلاود" المدمجة في الأنظمة العسكرية.

كما أن هذه الخطوة لم تمر دون استغلال من المنافسين؛ فقد سارعت شركة "OpenAI" بقيادة سام ألتمان لسد الفراغ، معلنة عن اتفاق مع البنتاغون لتوريد تقنياتها للشبكات العسكرية السرية، مما عمّق الهوة الشخصية والمهنية بين ألتمان وداريو أمودي.

الذكاء الاصطناعي في قبضة البنتاغون.. القصة الكاملة للصراع مع أنثروبيك وصفقة OpenAI - موقع 24فجّر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أزمة سياسية وتكنولوجية عاصفة هذا الأسبوع، عقب إعلانه المفاجئ إنهاء كافة عقود شركة "أنثروبيك" (Anthropic) مع البنتاغون، في خطوة غير مسبوقة تضمنت إدراج الشركة الناشئة ضمن قائمة "مخاطر سلاسل التوريد"؛ وهي "وصمة" قانونية كانت تقتصر ...

كلاود.. سر الضجة الحقيقية

بعيداً عن الصراع السياسي، تكمن "الضجة" الحقيقية حول أنثروبيك في كفاءة منتجها "كلاود"، فالشركة لا تقدم مجرد "روبوت دردشة"، بل طورت نظاماً يُعرف بـ (Cowork) يمكنه الوصول إلى ملفات الكمبيوتر، والقراءة، والتعديل، والقيام بمهام متعددة الخطوات كزميل عمل حقيقي.

كما أظهرت المواصفات التقنية لنسخة "Claude Opus 4.6" سبب تفضيله من قبل هذه الأجهزة الأمنية على منافسين مثل "GPT-5.2" أو "Gemini 3 Flash"، وتلخصت عوامل الجذب الاستراتيجي في:

- نافذة سياق هائلة (Context Window): يدعم النموذج استيعاب بيانات تصل لمليون "توكن"، ما يسمح بمعالجة آلاف التقارير الاستخباراتية وخرائط المراقبة اللحظية في ذاكرة واحدة دون فقدان التفاصيل، متفوقاً بمراحل على قدرات المنافسين المحدودة.

- برمجة العوامل (Agentic Coding): سجل "كلاود" أرقاماً قياسية في فهم البيئات البرمجية المعقدة (اختبار Terminal-Bench 2.0)، مما يجعله "عميلاً تقنياً" بارعاً في اكتشاف ثغرات الأنظمة العسكرية وفحص الشيفرات.

- التفكير التكيفي والموثوقية: يستخدم النموذج خوارزمية تبطئ الاستجابة آلياً في المواقف المعقدة لزيادة "الاستدلال المنطقي"، مع قدرة فريدة على الاعتراف بـ "عدم اليقين" بدلاً من توليد بيانات خاطئة (الهلوسة)، وهو أمر حيوي في القرارات العسكرية التي لا تحتمل الخطأ.

بالأرقام.. "كلاود" يطيح بـ"جيميناي" ليصبح أفضل نموذج ذكاء اصطناعي في 2026 - موقع 24خلال عام 2025، انحصر التنافس على لقب أفضل روبوت محادثة في العالم بين "شات جي بي تي" و"جيميناي"، حيث نجحت غوغل في تحقيق قفزة مهمة مع إطلاق "جيميناي 3 Flash"، ما منحها تقدماً واضحاً في سباق الذكاء الاصطناعي.

شراكات وإيرادات ضخمة

أيضاً الاهتمام الإعلامي بهذه الشركة يزداد بسبب حجم أعمالها المتوقع والمستثمرين المشاركين، خاصة عبر شراكتها مع Amazon Web Services (AWS)، حيث من المتوقع أن تسهم في رفع الإيرادات السنوية من حوالي 3.9 مليار دولار في 2025 إلى أكثر من 25 مليار دولار بحلول 2027، وهو ما يسلط الضوء على التأثير الكبير للذكاء الاصطناعي في أسواق السحابة والخدمات الرقمية.

غير أن ما يجعل "أنثروبيك" محور الاهتمام لدى الجمهور ليس فقط قوة منتجاتها، بل موقفها الأخلاقي الصارم في صناعة الذكاء الاصطناعي، وتمسكها بمبادئ السلامة عند مواجهة الضغوط الحكومية.. أي أن القصة تتجاوز مجرد صراع تجاري لتصبح معركة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، وحدود استخدامه، ودور الشركات الخاصة في تحديد أخلاقياته وحمايته من الاستخدامات الخطرة.