تُلاحق السلطات التنظيمية في كل من الصين والولايات المتحدة جيوش "المؤثرين المزيفين" الذين يغرقون منصات التواصل الاجتماعي بنصائح مضللة، في تقاطع لافت للمصالح الرقابية يهدف إلى كبح "الفوضى المعلوماتية".

بينما تتحرك بكين بصرامة سيادية وتتحرك واشنطن بآليات حماية المستهلك، تلاقت نتائج القوتين العظميين في عام 2026 عند ضرورة تقنين ظهور صانعي المحتوى "الخبراء" عبر الإنترنت، لحماية المستخدمين من محتوى فوضوي تجاوز الحدود، بدءاً من الادعاءات الطبية الزائفة وصولاً إلى تحديات طهو كادت أن تودي بحياة المتابعين.

ماذا فعلت الصين؟

بدأت إدارة الفضاء الإلكتروني في الصين (CAC) تطبيق لوائح هي الأشد من نوعها بشكل أحادي، تفرض على صانعي المحتوى في مجالات الطب والقانون والمالية والتعليم ضرورة إثبات مؤهلاتهم المهنية كشرط مسبق للنشر.

هذا القرار السيادي وضع منصات مثل "دووين" و"بيليبيلي" أمام مسؤولية قانونية مباشرة، حيث جُمدت ملايين الحسابات التي عجزت عن تقديم وثائق اعتمادها، وفرضت غرامات باهظة على الشركات التي سمحت بمرور محتوى غير مرخص.

واشنطن.. استراتيجية الردع لحماية المستهلك

بشكل مستقل تماماً، كشفت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC) عن خطتها الاستراتيجية (2026-2030)، والتي لا تستهدف منع النشر بحد ذاته، تجنباً للاصطدام بالدستور، بل تركز على ملاحقة "الخداع التجاري".

وتهدف الخطة الأمريكية إلى تفكيك منظومة "المصداقية المصطنعة" من خلال تجريم شراء المتابعين واستخدام الحسابات الآلية (البوتات) لإعطاء وزن وهمي لغير المتخصصين، مع تحميل العلامات التجارية والمنصات مسؤولية الأضرار الناجمة عن الإعلانات المضللة.

تقاطع التوجهات لا اتفاق السياسات

ورغم غياب أي تنسيق رسمي بين البلدين، إلا أن المفارقة تكمن في وصولهما إلى استنتاجات متشابهة حول هشاشة المجتمعات الرقمية، خاصة الأطفال؛ فبينما فرضت الصين اشتراطات أكاديمية صارمة على المعلمين الافتراضيين، صعدت واشنطن من إنفاذ قوانين حماية خصوصية القصر (COPPA)، ما يعكس وعياً عالمياً متزامناً بخطورة ترك الفئات الضعيفة فريسة لأصوات غير مؤهلة.

كما دخلت المعركة الرقمية فصلاً جديداً مع صعود الذكاء الاصطناعي؛ حيث اختارت الصين "الشفافية الإلزامية" بوسم المحتوى المولد آلياً، في حين استثمرت لجنة التجارة الفيدرالية في تقنيات "التعلم الآلي" لرصد شبكات الاحتيال، مما يظهر اعتماد الدولتين على أدوات تكنولوجية متقدمة لضبط المشهد الرقمي، كلٌ وفق فلسفته القانونية الخاصة.

ميزان القوى الرقمي الجديد

وتشير هذه التحركات المتزامنة خلال العام الجاري إلى صياغة عقد اجتماعي جديد بين صناع المحتوى والجمهور، حيث لم يعد "عدد المتابعين" صكاً كافياً للثقة.

وسواء نجحت "الوقاية الصينية" في تصفية المنصات من الدخلاء، أو أفلحت "المحاسبة الأمريكية" في تطهير السوق من الخداع، فإن النتيجة النهائية تضع حداً لزمن النصائح المجانية التي تُبنى على المشاهدات لا العلم؛ مما يمهد الطريق لمستقبل واعد تستعيد فيه الحقيقة المهنية هيبتها أمام ضجيج الشهرة الرقمية.