من تدليك القدمين داخل سيارات "SUV"، إلى مقاعد دوّارة وأنظمة كاريوكي احترافية، وصولاً إلى مصابيح أمامية تحوّل الجدران إلى شاشات عرض سينمائية، تكشف السيارات الصينية عن قفزة تكنولوجية غير مسبوقة، تجعل ميزات الرفاهية والقيادة الذكية متاحة حتى في الطرازات منخفضة التكلفة. 

وأشارت شبكة "سي إن إن" الأمريكية، إلى أن هذه الابتكارات التي تتصدر مشهد "Beijing Auto Show"، أكبر معرض سيارات في العالم، لا تعكس فقط طموح الصناعة الصينية، بل تضعها في موقع متقدم عالمياً، في وقت بدأت فيه تثير قلق المنافسين وصناع القرار حول العالم.

رهان صيني مستقبلي 

ووفق الشبكة، تنتج شركات السيارات الصينية هذه الطرازات على نطاق واسع وبأسعار تنافسية، مع ميزة إضافية مهمة: في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة الحرب في إيران، فإن معظم هذه السيارات كهربائية أو هجينة.

ويبرز التباين بشكل واضح مع الولايات المتحدة، التي تراجعت فيها السياسات الداعمة للسيارات الكهربائية لصالح المركبات التقليدية، كما فرضت قيوداً فعلياً على دخول السيارات الصينية، بحجة حماية الأمن القومي والصناعة المحلية.

ومع توقع زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، لإجراء محادثات مع الرئيس شي جين بينغ، تترقب شركات السيارات الكهربائية الصينية فرصاً جديدة، آملة أن يسهم الطلب العالمي المتزايد في فتح السوق الأمريكية أمامها.

رسالة المعرض، الذي يمتد على مساحة تعادل 70 ملعب كرة قدم، تبدو واضحة: الصين تمضي بثبات نحو الريادة التكنولوجية، التي تعتقد أنها ستحدد ملامح القرن الـ 21.

وتراهن كبرى شركات السيارات الصينية، بدعم من بكين، على أن العالم سيتبنى رؤيتها لمستقبل كهربائي، بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على الوقود التقليدي.

وقالت ستيلا لي، المديرة التنفيذية في شركة "BYD": إن "ارتفاع أسعار الوقود يشكل جرس إنذار للمستهلكين الذين لم يجربوا السيارات الكهربائية"، مؤكدة أن من ينتقل إلى هذه السيارات "لن يعود إلى المركبات التقليدية".

التوسع الخارجي ضرورة

وأصبح التوسع في الأسواق الخارجية ضرورة ملحّة لكبرى الشركات الصينية، رغم هيمنتها على أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم، حيث تتجاوز نسبة السيارات الكهربائية والهجينة نصف المبيعات الجديدة.

ولكن المنافسة الشرسة داخل السوق المحلية، والحروب السعرية، تضغط على الأرباح وتدفع الشركات للبحث عن فرص نمو خارجية. وارتفعت صادرات الصين من السيارات الكهربائية بنسبة 78% في الربع الأول من العام، وفق بيانات رسمية.

وفي المقابل، تواجه هذه الشركات بيئة دولية حذرة. فقد حذّر أكثر من 70 مشرّعاً أمريكياً من تخفيف القيود على السيارات الصينية، معتبرين أن ذلك قد يؤثر على العمالة وسلاسل التوريد والأمن القومي.

كما تفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية مرتفعة، إضافة إلى قيود على البرمجيات المرتبطة بالصين، ما يعقّد دخول هذه السيارات إلى السوق الأمريكية.

وأما أوروبا، فاختارت فرض رسوم تنظيمية بدلاً من الإغلاق الكامل، ما أتاح للشركات الصينية تحقيق نمو سريع، حيث ارتفعت تسجيلات سيارات "BYD" بنحو 170% في الاتحاد الأوروبي خلال الربع الأول.

سباق تقني عالمي

وما يثير قلق المنافسين هو الحجم الهائل للإنتاج في الصين، المدعوم بسلاسل توريد قوية وأتمتة متقدمة، إلى جانب دعم حكومي طويل الأمد عبر الحوافز والإعفاءات.

ولكن الشركات الصينية ترى أن المنافسة المفتوحة هي السبيل للتطور، معتبرة أن الأسواق المغلقة قد تضعف الابتكار على المدى الطويل.

وفي حين لا تضع شركات مثل "Geely" خططاً فورية لدخول السوق الأمريكية، فإنها تركز على التوسع في أسواق أخرى مثل البرازيل وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، عبر شراكات واستثمارات مشتركة.

معركة المستقبل

ويمثل صعود قطاع السيارات الكهربائية في الصين تحولاً تاريخياً، إذ انتقلت من الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية إلى تصديرها عالمياً، لتصبح رمزاً لقوتها التكنولوجية في القرن الـ 21. وقد يمنح هذا النجاح بكين نفوذاً دولياً متزايداً، خاصة في ظل سعيها لتقديم نفسها كبديل قيادي عالمي.

كما أن أزمة ارتفاع أسعار النفط العالمية، عززت من جدوى الاستراتيجية الصينية القائمة على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، حيث ساهم انتشار السيارات الكهربائية في خفض الطلب على النفط بأكثر من مليون برميل يومياً، وفق دراسة حديثة.

ولكن المنافسة لا تقتصر على كفاءة الطاقة، بل تمتد إلى التكنولوجيا، حيث تعمل شركات مثل "تيسلا" و"Waymo" في الغرب، ونظيراتها الصينية مثل "XPeng" و"Baidu" و"Huawei" و"Pony.ai"، على تطوير أنظمة قيادة ذاتية وبناء منظومات ذكية متكاملة.

وفي هذا السباق العالمي، تبدو الشركات الصينية واثقة من قدرتها على المنافسة، وربما قيادة مستقبل صناعة السيارات.