أصبحت فواتير الكهرباء الصورة الأبرز لأزمة الطاقة الأوروبية في عام 2022، إذ لجأت المخابز في فرنسا، والمتاجر في فرنسا وألمانيا إلى وسائل التواصل الاجتماعي لنشر صور فواتيرها الباهظة. غير أن اضطراب الطاقة في عام 2026 يبدو مختلفاً. فعلى الرغم من صدمة النفط الناجمة عن الحرب مع إيران، تبدو أسواق الكهرباء في أوروبا هادئة.

ويبرز السوق الفرنسي، الذي كان في قلب اضطرابات الكهرباء عام 2022، بشكل لافت. إذ يتم تداول عقد الكهرباء القياسي لعام واحد مقدماً عند نحو 50 يورو، ما يعادل 58.60 دولار لكل ميغاواط ساعة، وهو مستوى قريب مما كان عليه قبل الحرب، وجزء ضئيل من الذروة التاريخية التي سُجلت في أغسطس (آب) 2022 عند 1130 يورو لكل ميغاواط ساعة، بحسب تحليل لوكالة "بلومبرغ".

مستويات 2025

وتتكرر الصورة في ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا، حيث لا تزال أسعار الكهرباء بالجملة أدنى بكثير من ذروتها قبل 4 سنوات، وقريبة من مستوياتها في عام 2025. وإذا استمرت هذه المستويات، فمن المرجح ألا تشهد أسعار الكهرباء للمستهلكين ارتفاعاً يُذكر على المدى القصير، بل قد تنخفض تكاليف الشركات الأكثر ارتباطاً بأسعار الجملة.

وكانت أهمية الكهرباء، لا سيما بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، أحد أبرز أسباب شدة صدمة الطاقة في عام 2022، إذ دفعت تلك الشركات إلى رفع أسعارها لمجرد البقاء. فالفواتير التي كانت تُقدّر عادة ببضع مئات من اليوروهات شهرياً، قفزت إلى آلاف عدة، ما جعلها تهدد بالإفلاس.

ومع ذلك، فإن التباين بين أزمة الطاقة الشاملة في 2022 التي اندلعت بفعل الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا وتأثيره على أسواق الغاز والصدمة الحالية التي يقودها النفط، لا يحظى بالاهتمام الكافي. فقد تغيّر سوق الطاقة خلال نصف القرن الماضي، لكن كثيرين لا يزالون يحللونه من منظور يقتصر على النفط، وهو منظور ينتمي إلى حقبة مضت.

فما الذي يقف وراء هذا التحول؟ بدايةً، تحسن أوضاع قطاعي الطاقة النووية والكهرومائية في القارة، إلى جانب التوسع في الطاقة الشمسية وتحسن إمدادات الغاز الطبيعي. كما أسهمت الدروس المستفادة بعد عام 2022 بشأن إدارة دمج مصادر الطاقة المتجددة، في ضخ استثمارات بمليارات اليوروهات لتحديث شبكات الكهرباء.

الأسواق تشكك في قدرة "مشروع الحرية" على إنهاء أزمة مضيق هرمز - موقع 24في ظل اختناق غير مسبوق لحركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، تتزايد الضغوط العالمية لإيجاد مخرج سريع لأزمة تهدد إمدادات الطاقة، بعدما دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية، وذلك رغم المساعي الأمريكية لاحتوائها.

الطاقة النووية

وفيما يتعلق بالطاقة النووية، يصعب المبالغة في حجم التحسن. ففي عامي 2021 و2022، كان القطاع النووي الفرنسي يمر بأزمة حادة، مع إغلاق عشرات المفاعلات لإجراء إصلاحات وفحوصات بعد اكتشاف شقوق في بعض اللحامات.

وفي ذروة الأزمة، تراجع إنتاج المحطات النووية الفرنسية إلى أدنى مستوى خلال 30 عاماً، بأقل من 21 غيغاواط من القدرة، مقارنة بما يتراوح عادة بين 45 و 55 غيغاواط حالياً. ولم تكن هذه مشكلة فرنسية فحسب، إذ تلعب المفاعلات الفرنسية دوراً محورياً في تزويد ألمانيا أيضاً بالكهرباء الأساسية.

وإذا كانت الطاقة النووية قد تعافت، فإن الطاقة الكهرومائية شهدت انتعاشاً مماثلًا. فعلى الرغم من تجاهلها أحياناً، تُعد هذه الطاقة رابع أكبر مصدر للكهرباء في الاتحاد الأوروبي بعد الغاز والطاقة النووية والرياح، حيث تولّد نحو 14% من كهرباء التكتل.

وفي عام 2022، عانت القارة من جفاف وصفه مركز "إمبر" لأبحاث الطاقة الخضراء بأنه يحدث مرة كل 500 عام، ما أدى إلى تراجع إنتاج المحطات المعتمدة على تدفقات الأنهار الطبيعية إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقدين. ومنذ ذلك الحين، ساهمت الأمطار الغزيرة في جنوب أوروبا ومستويات الهطول الطبيعية في بقية المناطق في تحسين الإنتاج، فيما تظل دول الشمال الأوروبي الوحيدة التي تواجه نقصاً مائياً حالياً.

صدمة النفط تدفع العالم نحو الطاقة النظيفة.. والصين الرابح الأكبر - موقع 24أدت الحرب في إيران إلى إحداث صدمة قوية في أسواق الطاقة العالمية، دفعت الدول التي تعاني نقصاً في النفط إلى البحث عن بدائل سريعة، في مقدمتها الطاقة المتجددة، ما عزز من موقع الصين كأكبر مستفيد من هذا التحول.

الطاقة الشمسية

ويأتي بعد ذلك قطاع الطاقة الشمسية، الذي شهد استثمارات كبيرة في أوروبا، إلى جانب البطاريات التي بدأت تؤدي دوراً متزايداً. فقد سجل إنتاج الطاقة الشمسية أرقاماً قياسية جديدة في عدة أسواق أوروبية، ما دفع أسعار الكهرباء على المدى القصير إلى مستويات سلبية في العديد من عطلات نهاية الأسبوع.

تراجع في إسبانيا المشمسة، متوسط سعر الكهرباء الفوري (المعروف بسعر اليوم التالي) إلى 18 سنتاً فقط في 28 مارس (آذار) وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من عقد. وفي ألمانيا، انخفضت الأسعار مؤخراً إلى مستويات سلبية، مقارنة بأكثر من 200 يورو لكل ميغاواط ساعة في عام 2022.

ولا شك أن الصراع مع إيران وإغلاق مضيق هرمز أثّرا على إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا، لكنها ليست نادرة كما كانت في 2021 - 2022. فبرغم تراجع الإمدادات القطرية، خفّضت الصين وارداتها من الغاز بشكل ملحوظ، ما ساعد في تخفيف الضغوط. وحتى الآن، استقرت أسعار الغاز القياسية في أوروبا عند نحو 45 يورو لكل ميغاواط ساعة، انخفاضاً من ذروة قاربت 75 يورو خلال الحرب، وأقل بكثير من الذروة التاريخية البالغة 345 يورو في يوليو (تموز) 2022.

ومع بقاء الأسعار دون مستويات الذروة التي سُجلت قبل 4 سنوات، لم تعد محطات توليد الكهرباء العاملة بالغاز تدفع الأسعار إلى الارتفاع كما حدث سابقاً.

3 قنابل موقوتة تهدد الاقتصاد الصيني مع اقتراب زيارة ترامب - موقع 24بينما يستعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لزيارة بكين في غضون أسبوعين، فإنه يواجه نظاماً يبدو في ظاهره في أقصى قوته، حيث تسيطر بكين على المعادن الحيوية التي يستخدمها الجيش الأمريكي، وتستحوذ على ديون أمريكية لا تقل عن 700 مليار دولار، ولكنها تواجه الآن عقبات وضغوطاً فرضها ترامب عليها مؤخراً.

الاستثمارات الأوروبية

وأخيراً، بدأت استثمارات أوروبا في شبكات الكهرباء تؤتي ثمارها. ففي عام 2022، عانت القارة من اختناقات في النقل، ونقص في البطاريات، وبنية تحتية متقادمة، ما أدى إلى ضغوط رفعت أسعار الجملة (حتى وإن لساعات قليلة) إلى مستويات مقلقة.

واضطرت شبكة الكهرباء في المملكة المتحدة آنذاك إلى تفعيل إجراءات طارئة في لندن، وشراء الكهرباء بأسعار تزيد بنسبة 5000% عن المعدلات الطبيعية للحفاظ على استمرارية الإمدادات. أما اليوم، فتبدو البنية التحتية أكثر قدرة على التكيف، بفضل استثمارات جديدة بمليارات اليوروهات.

وبجمع هذه العوامل، يتضح أن أوروبا تتعامل مع ما يصفه كثيرون بأسوأ اضطراب في قطاع الطاقة على الإطلاق، دون أن تعكس أسعار الكهرباء حالة من الذعر. فوفقاً لعقود العام الواحد، تزيد أسعار الكهرباء القياسية في ألمانيا بنحو 4% فقط عن متوسطها في 2025، بينما تراجعت بأكثر من 90% مقارنة بعام 2022. وهو ما يفسر إلى حد كبير لماذا لا تبدو أزمة الطاقة الحالية كأزمة حقيقية بالنسبة للأوروبيين على الأقل حتى الآن.