الثلاثاء 9 يوليو 2024 / 09:09

فوضى فرنسية مرتقبة!

ماجد حبته - الدستور المصرية

حالة تعايش رابعة، كان من المتوقع أن تشهدها الجمهورية الفرنسية الخامسة، بعد حصول تحالف «الجبهة الشعبية الجديدة» على أكبر عدد من مقاعد الجمعية الوطنية، البرلمان، واعتزامه تقديم رئيس جديد للوزراء من بين صفوفه، غير أن الرئيس إيمانويل ماكرون طلب، أمس الإثنين، من رئيس الوزراء الحالي، غابرييل أتال، البقاء في منصبه «في الوقت الراهن»، من أجل ضمان استقرار البلاد.

سبعة أيام فقط، نقلت فرنسا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بتراجع «حزب التجمع الوطني»، الذي تصدر نتائج الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية، إلى المركز الثالث بعد الجولة الثانية. وبينما قال قصر الإليزيه، في بيان أصدره الأحد الماضي، إن الرئيس الفرنسي يعكف، حالياً، على تحليل نتائج الانتخابات، وسينتظر اتضاح الصورة، بشكل كامل، قبل أن يتخذ القرارات اللازمة، رأت شبكة «سي إن إن» الأمريكية أن «مقامرة ماكرون بالدعوة إلى انتخابات مبكرة، أبقت اليمين المتطرف خارج السلطة، لكنها أغرقت فرنسا في الفوضى»، وتوقعت أن تصبح الجمعية الوطنية، البرلمان، أكثر انقساماً من أي وقت مضى.
حالة التعايش، حسب تعريف الموقع الرسمي للمجلس الدستوري الفرنسي، هي «وضع سياسي يكون فيه رئيس الجمهورية وأغلبية النواب ذوي توجهات سياسية معاكسة». وفي ظل الجمهورية الخامسة، المستمرة منذ سنة 1958، شهدت فرنسا ثلاث حالات من هذا النوع، اثنتان منها في عهد فرانسوا ميتران، زعيم الحزب الاشتراكي، الذي اختار جاك شيراك، زعيم حزب «التجمع من أجل الجمهورية» اليميني، رئيساً للوزراء، منذ 1986 إلى 1988، ثم إدوارد بالادر، زعيم الحزب نفسه، بين 1993 و1995. والحالة الثالثة، كانت بين 1997و2002 ليونيل جوسبان. 
هنا، قد تكون الإشارة مهمة إلى أن مَن تم اختيارهم في الحالات أو المرات الثلاث، كانوا قد حصلوا على الأغلبية المطلقة، التي لم يحصل عليها تحالف «الجبهة الشعبية الجديدة»، le Nouveau Front populaire، الذي يضم أربعة أحزاب يسارية: الحزب الاشتراكي، الحزب الشيوعي الفرنسي، وحزب «فرنسا الأبية»، أو المتمردة، France Insoumise، وحزب البيئة الأوروبية. وقد تكون الإشارة مهمة أيضاً إلى أن ماكرون وصل إلى قصر الإليزيه بشعار «لا يمين ولا يسار.. بل الاثنان معاً».
في مفاجأة، لم يكن يتوقعها البعض، تصدر «التجمع الوطني»، في 9 يونيو (حزيران) الماضي، نتائج الانتخابات الأوروبية بـ33% من الأصوات، متقدماً على المعسكر الرئاسي، ومحققاً أفضل نتيجة لليمين المتشدد، خلال الجمهورية الخامسة. وبالنتيجة نفسها، انتهت الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية الفرنسية، التي جرت في يونيو، مقابل 28% لتحالف «الجبهة الشعبية»، وبنسبة 20%، جاء في المركز الثالث ائتلاف الوسط «معاً من أجل الجمهورية»، الذي يضم الأحزاب الثلاثة الداعمة للرئيس ماكرون.
منذ أن قرر الرئيس ماكرون، بشكل مفاجئ، حل الجمعية الوطنية، بعد فشل معسكره في الانتخابات الأوروبية، كانت غالبية التوقعات ترجّح تقدم اليمين المتشدد، وهو ما حدث فعلاً في الجولة الأولى وكاد يتكرر في الجولة الثانية، لولا اتفاق الوسط واليسار على انسحاب حوالي 200 مرشح من الدوائر التي كانت ستشهد منافسة بين ثلاثة مرشحين، ما قلل من فرص مرشحي «التجمع الوطني»، وأتاح لتحالف «الجبهة الشعبية» الحصول على المركز الأول، وجعل معسكر ماكرون يتقدم إلى المركز الثاني. غير أن عدم حصول أي أحد من التكتلات الثلاثة على الأغلبية المطلقة، قد تكون له تبعاته السلبية على الاستقرار السياسي، والاقتصادي، والمجتمعي، وأيضاً على التعامل مع الأزمات المحلية والدولية، الحالية والمقبلة.
أخيراً، ولأن الدستور الفرنسي يمنع رئيس الجمهورية من حل البرلمان مجدداً، قبل مرور سنة، على الأقل، لم يعد بإمكان المعسكر الرئاسي، الذي نجح في تعويم اليسار وصد اليمين واستطاع إنقاذ ماء وجهه بالكاد، أن يستمر وأن يتجاوز حالة الفوضى المرتقبة، أو المتوقعة، إلا ببناء تحالف، يستعيد به أغلبيته، أو بتشكيل حكومة من «التكنوقراط» يرأسها شخص محايد ومقبول من الجميع.