أوضاع إنسانية مأساوية يعيشها السودانيون جرّاء الحرب (رويترز)
الجمعة 18 أبريل 2025 / 08:59
قالت مارييل فيراجامو، متخصصة بالشؤون الأفريقية والصحة العالمية، إنه بالتزامن مع دخول السودان مرحلة جديدة من الصراع، يواجه البلد أسوأ أزمة إنسانية على مستوى العالم في ظل شح جسيم في المساعدات الخارجية.
يرزح السودان تحت وطأة نزوح جماعي ومجاعة وجرائم حرب ضد المدنيين، في ظل القتال الدموي المستمر بين طرفي الصراع، الجيش وقوات الدعم السريع، بينما تسحب الولايات المتحدة التي تعدُّ أهم مصدر للمساعدات يسحب مساعداتها بشكل حاد. وقد يكون العام الثالث للحرب في السودان الأكثر وحشية على الإطلاق.
أفضى الصراع إلى موجات نزوح جماعي ومجاعة بشعة، ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل (نيسان) 2023، تشرَّدَ أكثر من 12 مليون شخص، وقرابة 9 ملايين داخل السودان، بالإضافة إلى فرار مئات الآلاف إلى مخيمات الدول المجاورة. وتشير تقديرات متحفظة إلى مقتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص.
تأكَّدَ انتشار المجاعة في 10 مناطق على الأقل في السودان يقطنها مئات الآلاف من السودانيين. وتعدُّ معدلات سوء التغذية هناك من بين الأعلى عالمياً. وظهرت بالفعل حالات تفشٍّ لأمراض تشمل الكوليرا وحمى الضنك والملاريا والحصبة وشلل الأطفال والحصبة الألمانية، وفي ظل توقف العديد من المرافق الصحية عن العمل، باتت المساعدة الطبية شبه منعدمة.
وصرَّحَ ياسر الأمين، رئيس الرابطة الأمريكية للأطباء السودانيين، لـ "مجلس العلاقات الخارجية" الأمريكي "الناس يموتون جوعاً ومرضاً أكثر مما يموتون رمياً بالرصاص. فقد دُمِّرَت المستشفيات، وفرَّ العاملون في القطاع الصحي أو قُتلوا، والمنظومة الصحية برمتها تتداعى. الوضع كارثي حقاً. ومع ذلك لا يزال العالم يتجاهل ما يحدث هنا".
ويحتاج أكثر من نصف السكان – أيْ 30.4 مليون نسمة – إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
تجميد الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية المساعدات
كانت الولايات المتحدة أكبر جهة مانحة للمساعدات للسودان. ففي عام 2024، قدمت واشنطن 44% من المساعدات الإنسانية للسودان بقيمة 1.8 مليار دولار من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).
وكانت واشنطن أيضاً من بين ممولي المساعدات الإنسانية "الأكثر مرونة"، بحسب منظمة ACAPS البحثية السويسرية غير الربحية. ويسَّرَت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التكاليف الإدارية والدعم الضروري وقدرات التنسيق لضمان قدرة منظمات الإغاثة الأخرى، المحلية منها أو الدولية (مثل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة)، على تنفيذ أعمالها الميدانية.
وفي فبراير (شباط) 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تقليص 83% من برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. وقبل ذلك، كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد التزمت بالفعل بتقديم نحو 126 مليون دولار للسودان هذا العام، ولم تتضح بعد إمكانية تسليم أي من هذه الأموال. ولم يكتمل بعد تشكيل فريق ترامب لشؤون أفريقيا، بمن فيهم مبعوث السودان.
وأُغلقَ فعلاً 80% من مطابخ الإغاثة العاجلة. وعلى الرغم من إصدار وزارة الخارجية استثناءً للأغذية الطارئة، فإن الغموض الذي يكتنف التطبيق العملي لهذا الاستثناء أدَّى إلى إيقاف العمليات. ومن المتوقع ارتفاع معدلات العدوى، إذ "يعاني الملايين من عمليات إغلاق" برامج الرعاية الصحية لمكافحة أمراض كالإيدز والملاريا والسل، بحسب تصريح د. أحمد عبدالله إسماعيل، رئيس منظمة "مشاد" السودانية غير الربحية التي تتخذ من باريس مقراً لها. وقد اختفى تمويل السلع الطبية الضرورية.
وأفاد عاملون محليون بأن هذا الاقتطاع في التمويل يمثل أكبر عائق واجهوه حتى الآن. وتقول منى الطاهر، وهي ناشطة إنسانية سودانية تتمتع بخبرة تزيد على ثلاثين عاماً: "لقد شهد السودان العديد من الأزمات التي أثَّرَت على عمل القطاع الإنساني، غير أن اقتطاعات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية كانت الأسوأ التي رأيتها في حياتي المهنية".
مستهل العام الثالث للحرب
يبلغ إجمالي طلبات الأمم المتحدة الموحدة لتقديم المساعدات هذا العام 4.16 مليار دولار بهدف الوصول إلى نحو 21 مليون شخص في السودان. ويرى الخبراء أن العجز المتوقع في المساعدات سيؤثر على ملايين أكثر بكثير بخلاف أولئك الذين تضرروا بالفعل.
وترى ميشيل جافين، الزميلة البارزة في مجلس العلاقات الخارجية لدراسات السياسة الأفريقية، أن "الولايات المتحدة قلَّصت قدرتها الخاصة على التعامل مع الأزمات الإنسانية بينما يهدد الجوع في السودان بأن يكون الأكثر فتكاً منذ عقود. ومع اتجاه السودان نحو التقسيم بحكم الأمر الواقع وانحسار تماسك الأطراف المتنازعة الأساسية، فإن معاناة المدنيين السودانيين تتفاقم تدريجياً.
ومما يبعث على القلق أيضاً ما يمكن وصفه بتأثير العدوى في مجال المساعدات. فبعد خطوة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، سارت المملكة المتحدة على النهج نفسه، معلنةً عن خفض مساعداتها للسودان بنسبة 40%.
كما خطَت دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا خطوات مماثلة مؤخراً. وفي غضون ذلك، ومع تصاعد الصراع في دولة جنوب السودان المجاورة، تزداد احتمالات تحوُّل القتال في البلدين إلى حرب إقليمية.
ويرى عمال الإغاثة المحليون والأجانب أن طرفي الحرب الأهلية في السودان يتحملان مسؤولية نشوء أزمة الجوع والانتهاكات، في ظل استمرار ضآلة فرص إقرار السلام. وهم يحذرون من أن المعاناة ستستمر ما لم يتم التوصل إلى حل للنزاع وما لم تستمر جهود الأطراف الخارجية، وأن المعاناة ستتفاقم بشكل هائل في غياب المساعدات.