الثلاثاء 20 مايو 2025 / 12:00
من البدهي أن تكون العلاقة بين الأدباء والقراء ذات شجون، إذ يشكو بعض الأدباء عدم تواصل القراء مع نتاجاتهم الشعرية والقصصية والروائية، وأن سبب ذلك ذائقة هؤلاء القراء التي تعودت على التواصل مع النصوص التقليدية التي استقرت على نمط فني محدد، وهي شكوى مشروعة، نحاول في هذا الاستطلاع الذي يشارك فيه ثلاثة أدباء من مصر وسوريا، ملامسة أسباب عدم تطوير القراء لذائقتهم.
وقد طرح موقع 24 على القاص المصري محمد العبادي، والشاعرة السورية بسمة شيخو، والناقد السوري أحمد الحسين، السؤال التالي: من وجهة نظركم على من تقع مسؤولية عدم تطوير الذائقة لدى المتلقي، إن كنتم تقرون بعدم تطورها، وكيف ترون المسألة؟
تغيّر أنماط التلقي
القاص محمد العبادي قال بداية: "دعني أتحفظ على مصطلح "تطوير" الذائقة وأقترح استبدالها بمصطلح آخر مثل "تغيّر" الذائقة، إن ذائقة الجمهور ليست مسألة كمية قابلة للقياس وأيضاً لا يمكن لأي أديب أو ناقد أن يحدد الاتجاه الأمثل لتطويرها. وبعد إعجابنا بتحفظه، وأنه يمكن أيضاً استبدال مصطلح "تطوير" بمصطلح "تنمية"، يعلل القاص العبادي وجهة نظره قائلاً: الواقع أنه قد حدث تغيّر كبير في نمط ذائقة المتلقي عبر السنوات الماضية، فقد تغيرت أنماط التلقي مع التطور التكنولوجي الكبير وظهور منصات التواصل الاجتماعي بأشكالها المختلفة، وبناء عليه تغير نمط التواصل بين الأديب والقارئ/المتلقي، أفرز التغير التكنولوجي في عالم التواصل الاجتماعي زيادة مكتسحة في إنتاجات الصورة والفيديو، وظهرت قوالب جديدة للتعبير مثل الصور الكوميدية (الميمز) والفيديوهات القصيرة (شورتس) على تطبيقات مثل تيك توك، فيس بوك، إنستغرام... وغيرها، لذلك تغيرت ذائقة المتلقي في اتجاه المرئي والمتحرك والقصير، حتى في القراءة أصبح الرائج أكثر الأعمال السريعة والتي تحقق إشباعاً آنياً للمتلقي، مثل أعمال الرعب الخفيفة وقصص الجريمة والغرائب.
مسؤولية الأديب
ويختتم العبادي مساهمته بالقول: في النهاية لا يمكن للأديب أن يملي على المتلقي كيف يطور ذائقته ليستقبل أعماله، بل إن تغير الذائقة هذا يخضع لعوامل متعددة ويحدث عبر سنوات من التطور التكنولوجي والثقافي والاجتماعي المستمر.. وتبقى المسؤولية على الأديب والفنان أن يستقرئ العالم من حوله جيداً، ليستطيع هو أن يطور من منتجه الإبداعي بشكل يلائم طبيعة عصرنا المتغير.

تطابق وإسقاط النموذج
تشير الشاعرة بسمة شيخو أولاً إلى أزمة التلقي التي تتجلى في عالمنا العربي بصورة المتلقي التقليدي المستقر، التي تلخصها حالة الجنوح نحو أفق التوقعات المسبقة، المنسجمة مع النماذج الكلاسيكية التي تعود ذهنه عليها.
ولأن الشاعرة بسمة تكتب نمطاً حديثاً تقول: "بالنسبة لي يهمني متلقو الشّعر، كيف يتلقون النّوع الشّعري الذي أكتبه، "قصيدة النّثر" "الهايكو"، وهنا أجد فعلاً أن هناك مشكلة في تلقي هذه الأنواع التي تعتبر حديثة مقارنةً بالأنواع الأخرى، ولذلك فإن أغلب متلقي الشّعر العربي يمتلكون عادةً نموذجاً كلاسيكياً للقصيدة، موزونة، مقفّاة، حتى إن البعض يملك مواضيعه المفضلة، وبحوره المفضلة أيضاً، فإن لم تتطابق القصيدة مع الشروط الموضوعة عندهم، أسقطوا عنها انتماءها للشعر.
وترى الشاعرة بسمة أن سبب رفض هؤلاء القراء لقصيدة النثر ، غالباً ما يتعلق هذا التشدّد بالارتباط بالهوية العربية، وموروثها الشعري، والحنين إلى الماضي، معتبرين أن الشعر العربي جزء من ارتباطهم بالهوية العربية، وقصيدة النثر برأيهم هي مجرد تقليد للغرب، وعند آخرين هي جزء من المؤامرة على التراث العربي.

نحتاج لرؤية نقدية
وتتابع الشاعرة بسمة التفصيل في أسباب رفض قصيدة النثر عند الكثيرين بالإشارة إلى أن هذا الرفض يمهّد له من قبل المناهج الدراسية التي تغفل في أغلبها تقديم قصيدة النثر، وتقدم الشعر الكلاسيكي كنموذج وحيد للشعر العربي، مما يجعل تذوق قصيدة النثر بحمولتها الشعرية أصعب حتى للجيل الجديد. ففي ظل ذلك ترى أن المتلقين الذين لديهم رغبة بالتلقي السهل، عبر المطابقة مع نموذج يعرفه في المرتبة الأولى، دون أن يتكفلوا عناء استيعاب قصيدة النثر وتحليل عناصرها ومصادر الشاعرية والجمال داخلها، يبحثون عن متعة فورية، هذه المتعة تحملها لهم القصائد الكلاسيكية عن طريق الإيقاع التقليدي والموسيقى الواضحة التي تستطيع لفت انتباههم للشعر، وبغياب هذا الإيقاع في نظرهم تغيب صفة الشعر عن النص.
أما كيف ترى الشاعرة بسمة العمل على تغيير نموذج المتلقي التقليدي، تقول: نحتاج أولاً رؤية نقدية جديدة لقصيدة النثر وحقيقية، بعيداً عن الجدل حول شرعيتها والذي حُسِمَ منذ سنوات وكتبها شعراء عرفوا عربياً وعالمياً بتجاربهم المهمة، لذا لابد من مقالات نقدية تتحرّك باتجاه قصيدة النثر، تبحث في عناصرها وتفنّدها وتلقي الضوء على التجارب الحقيقية المهمة منها.
غياب الفضاء الاجتماعي
ويعيد الناقد أحمد الحسين أسباب عدم وجود ذائقة راقية إلى عدم وجود قراءة، وإلى غياب الفضاء الاجتماعي الذي يمكن أن يحث عليها، لأن الذائقة من وجهة نظره: لا تتشكل إلا مع القراءة والخبرة الجمالية المديدة، كما أن عدم وجود قراءة، له علاقة بالسياق الاستهلاكي الذي تشكّل في العالم العربي بالتوازي مع ظهور حكومات متسلطة وقوى خارجية داعمة لها، فضلاً عن التأثر بالعولمة والشركات العابرة للقارات، وهذه كلها تركت تأثيراً كبيراً في انصراف المتلقي عن القراءة وانغماسه في وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما ساهم في تردي ذائقته، فضلاً عما حدث من ازدراء للعلم واحتقار للكاتب في العالم العربي عموماً، إذ إن ما يجنيه الكاتب العربي من كتابته لا يزيد عن بضع مئات من الدولارات، وهذه الحالة يعيها القارئ جيداً، ولذلك انصرف عن قراءة نتاج الكاتب لأنه في نظره شحاذ وليس مثلاً أعلى، ولهذا أقبل القارئ على المتع الرخيصة التي يمكن أن يجنيها من وسائل التواصل الاجتماعي، وأدار ظهره للكتاب، وهذا ما ساهم في تدني ذائقته.

مسؤولية السياق
ويرى الناقد الحسين أن الكاتب الجاد يكتب عندنا ونتاجه موجود في المكتبات، والفضاء الأزرق يغص بالكتب الصالحة للقراءة، وليس من مهمة الكاتب أن يعلّم القارئ كيفية تذوق كتاب، إذ إن هذه من مسؤولية السياق الذي يعيش فيه القارئ والمؤسسات التي يتعلم فيها ويتخرج منها، فضلاً عن أن القارئ العربي لا يعنيه أمر الكتاب شيئاً لأنه يستسهل الحصول على المتعة من وسائل متاحة له على الشبكة العنكبوتية، وليس له أن يتعب لكي يفعل ذلك، وهذه القضية يلمسها الكاتب في أسرته الصغيرة التي تنشأ في وسط استهلاكي فيشدها إليه، ويهيمن على آلية تذوقها وقيمها، فيخفق الكاتب في المساهمة بارتقاء ذائقة أبنائه وأحفاده، ويعجز عن الانتصار على التيار الاستهلاكي العارم الذي ينشر قيمه المتسفلة، ويكون سبباً في تردي الذائقة القرائية والفنية معاً.