تعبيرية (فايننشال تايمز)
تعبيرية (فايننشال تايمز)
الإثنين 26 مايو 2025 / 12:56

في زمن التعدد القطبي.. من سيربح حرب التكنولوجيا؟

في وقتٍ تشهد فيه أسهم شركات الدفاع ارتفاعاً لافتاً، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان هذا الإنفاق العسكري المتسارع يواكب فعلاً طبيعة الحرب الحديثة، أم أنه يُوجَّه نحو معدات ومفاهيم عسكرية باتت قديمة في ظل الثورة التكنولوجية.

من المرجح رؤية انخفاض في الاعتماد على الشركات المصنعة الأمريكية

تشير الكاتبة رنا فوروهار في صحيفة فايننشال تايمز إلى أن الدفاع بات يمثل القطاع "الساخن" الجديد، غير أن تغيّر طبيعة الحروب يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كانت الاستثمارات الحالية في الصناعات الدفاعية تُوجَّه بالشكل الصحيح.

تحوّلات استراتيجية وموازنات قياسية

وفي الولايات المتحدة، لا تزال الموازنة العسكرية هي الأكبر ضمن الإنفاق الفيدرالي، إذ طلب الرئيس دونالد ترامب، على سبيل المثال، رقماً قياسياً بلغ تريليون دولار ضمن مشروع موازنة وصفه بـ"الجميل الكبير"، وقد أقرّه مجلس النواب بفارق صوت واحد، في انتظار مصادقة مجلس الشيوخ.

أما الصين، ثاني أكبر منفق عسكري في العالم، فتواصل تعزيز قدراتها الدفاعية وتمتلك بالفعل أكبر أسطول بحري.

 أما أوروبا، فتسير نحو زيادة كبيرة في إنفاقها العسكري، على خلفية الحرب في أوكرانيا وتراجع الثقة في تحالفها مع الولايات المتحدة.

مع ذلك، فإن جزءاً كبيراً من هذا الإنفاق يُوجَّه نحو أنظمة تقليدية، مثل مقاتلات F-35 والغواصات، إلى جانب خطط دفاعية مستوحاة من حقبة "حرب النجوم" التي تعود إلى عهد ريغان. وهذا يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذه الاستثمارات في زمن تغيّرت فيه قواعد الاشتباك.

تكنولوجيا تغيّر قواعد اللعبة

بات بإمكان الطائرات المسيّرة زهيدة التكلفة والصواريخ البسيطة أن تُحدث دماراً واسعاً.

ففي أوكرانيا، تَحوَّلت الحرب إلى حقل تجارب لتكتيكات وأساليب جديدة. وفي البحر الأحمر، تمكّن الحوثيون من مهاجمة سفن تجارية باستخدام تكنولوجيا بدائية نسبياً، ما كلّف الولايات المتحدة قرابة مليار دولار في عمليات الردع.

يرى إريك برنس، مؤسس شركة "بلاكووتر" ورئيس "فرونتير ريسورس غروب"، أن الحرب الروسية الأوكرانية سرّعت تحوّلاً غير مسبوق في الحروب، منذ أيام جنكيز خان. ويؤكد أن الابتكارات العسكرية لم تعد تأتي من البنتاغون أو حتى من وكالة "داربا"، بل من مبتكرين مستقلين يعملون في "مرائب منازلهم"، ما يجعل "تريليونات الدولارات من القدرات المركّبة" عرضة للتقادم.

ثورة من القاع إلى القمة

وبحسب المحلل لوك غرومين، فإن ما يحدث في الصناعات الدفاعية يشبه ما فعلته نتفليكس حين قضت على شركة بلوكباستر. فالابتكار لم يعد منحصراً في شركات السلاح العملاقة، بل يتنامى من القاعدة إلى القمة، ما قد يهدد الدور التقليدي لشركات كبرى مثل "رايثيون"، و"باي سيستمز"، و"جي إي إيروسبيس".

ويصف خبير الأبحاث لويس غيف من "غافيكال" هذه الظاهرة بـ"فرض الطابع المايكروسوفتي على الحرب"، وهو اتجاه قد يُضعف تفوق القوى العسكرية الكبرى، تماماً كما أدّت الثورة الرقمية إلى دمج استخدام الحواسيب في الحياة اليومية، بعد أن كانت حكراً على المؤسسات الكبرى.

ورغم أن بعض هذه الشركات الكبرى تحاول مواكبة التحول عبر الاستثمار في الابتكار، فإن شركات ناشئة في وادي السيليكون وإسرائيل تقود موجة "الحرب اللامركزية" المتطورة تكنولوجياً، في وقت يتجاوز فيه تأثير هذه التغيرات الساحة العسكرية، ليمتد إلى الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية.

تراجع الهيمنة العسكرية الأمريكية؟

يطرح غرومين تساؤلاً جوهرياً: ماذا لو لم تعد الهيمنة العسكرية الأمريكية أمراً مسلّماً به؟ إن تداعيات ذلك قد تشمل تقليص الاعتماد العالمي على الصناعات الدفاعية الأمريكية، وهو أمر بدأ فعلياً مع التوجه الأوروبي نحو شركات محلية في خطط إعادة التسلّح.

كما يبرز تحدٍّ آخر يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على تمويل هذا التوسع في الإنفاق العسكري، في ظل ارتفاع الدين والعجز الفيدراليين. وفي هذا السياق، تمنح ثورة التكنولوجيا مزيداً من الدول - وحتى الأفراد - أدوات لتعزيز قدراتها الدفاعية ذاتياً، من دون الاعتماد على القوى الكبرى.

وفي ختام تقريرها، تلفت فوروهار إلى أن النجاح في الحروب القادمة لن يُقاس بحجم الموازنة، بل بمدى البراعة التقنية والقدرة على التكيّف مع عالم جديد تتقلص فيه الفوارق بين الدول الكبرى والجهات الفاعلة الصغيرة.