الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الجمعة 30 مايو 2025 / 12:18
لفت الكاتب السياسي ماثيو أوينز إلى أنه مع اصطفاف القوات الروسية ميدانياً لشن هجوم صيفي جديد، وإمطار كييف بالمزيد من الصواريخ أكثر من أي وقت مضى، أفاد تقرير أن الفريق الدبلوماسي الخاص بالرئيس فلاديمير بوتين يستعد للتراجع عن بعض مواقفه الأكثر تشدداً.
تُوافق إدارة ترامب على مطلب بوتين بأن يتخلى الناتو رسمياً عن أي توسع إضافي
ووفقاً لمجموعة أوراق عن الموقف الروسي، اطلعت عليها رويترز، يبدو أن الكرملين يتراجع عن مطالبه السابقة بـ "نزع السلاح" من أوكرانيا. كما يبدو أنه تم التخلي عن المطالبات بالمناطق من دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا، التي لا تزال تحت سيطرة أوكرانيا، وكانت روسيا تطالب بها سابقاً كجزء من أي اتفاق سلام.
سارع الكرملين نفسه إلى نفي التكهنات حول موقفه التفاوضي الجديد، والذي يبدو أنه مخفف، حيث رفض المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف التعليق على الشروط التي تنوي روسيا اقتراحها لوقف إطلاق النار في أوكرانيا.
حتى الآن، اكتفى بيسكوف بالقول إن المحادثات المباشرة المقبلة بين موسكو وكييف ستكون "طويلة ومضنية". لكن إذا صح التقرير، فستمثل المعايير الجديدة تحولاً واضحاً عن موقف موسكو قبل أسبوعين فقط، عندما عُقدت في إسطنبول محادثات بين الفريقين الروسي والأوكراني.
تعديلات طفيفة
كتب أوينز في مجلة "سبكتيتور" أن مجموعة مطالب بوتين الجديدة تمثل نفس اللحن تقريباً، مع تعديلات طفيفة.. فبدلاً من القيود المفروضة على حجم الجيش الأوكراني، يدور الحديث عن استبعاد نشر قوات أجنبية – أي قوات الناتو – وصواريخ استراتيجية على أراضي أوكرانيا. وبدلاً من المطالبة بسيطرة رسمية على تحالفات أوكرانيا المستقبلية، يبدو أن روسيا تطالب الآن ببيان رسمي من الناتو يفيد بأن كييف لن تنضم إلى المنظمة. وتطالب موسكو أيضاً بعودة أوكرانيا إلى الوضع المحايد الذي كُرس في دستورها بين عامي 2010 و2015.
لا توجد أي كلمات حتى الآن حول كيفية تحول موقف موسكو بشأن مطالبها بـ"اجتثاث النازية". لكن من الواضح أن هناك مجالاً للتسوية بشأن قضية حقوق اللغة، حيث يجد الكرملين نفسه في اتفاق غير متوقع مع الاتحاد الأوروبي الذي أصر أيضاً على حماية حقوق الناطقين بلغات الأقليات، وانتقد القيود التي فرضتها أوكرانيا على اللغة الروسية.
بعض الأمل
ثمة عنصر جديد في الموقف التفاوضي الروسي المعلن عنه ويعطي بعض الأمل في إمكانية التوصل إلى اتفاق. كان الموقف الرسمي السابق للكرملين بشأن العقوبات الدولية هو أنها ساعدت الاقتصاد الروسي على الاستقلال، وأن روسيا لن تسعى إلى تخفيف العقوبات بصفته جزءاً من محادثات السلام. كان هذا الموقف مخادعاً، والجميع يعلم ذلك. الآن، ووفقاً لرويترز، عاد رفع العقوبات المصرفية وإعادة أصول البنك المركزي الروسي المجمدة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات.
إذا كانت ورقة الموقف الجديدة المعلنة هي ما ستقدمه روسيا في النهاية إلى طاولة المفاوضات، فهل يظهر ذلك أن بوتين قد يكون مستعداً أخيراً لوقف إطلاق النار؟ من المؤكد أن الأدلة تتزايد على أن اقتصاده يتعرض لضغوط متزايدة، أولها وأهمها انخفاض عائدات النفط والغاز. أم أن المطالب المخففة حديثاً ليست سوى تكتيك معقد للمماطلة يهدف إلى دق إسفين بين الولايات المتحدة وأوروبا؟.
شرخ عميق وقاتل
يرجح الكاتب أن تُوافق إدارة ترامب على مطلب بوتين بأن يتخلى الناتو رسمياً عن أي توسع إضافي. على النقيض من ذلك، سيثور العديد من الأوروبيين غضباً لأسباب ليس أقلها أن مثل هذا الإعلان سيعترف بمجال نفوذ فعلي لبوتين على حدوده الخارجية. كانت التنازلات حول وضع دول خط المواجهة أمراً شائعاً خلال الحرب الباردة.
لكن العودة إلى هذا النوع من تقسيم العالم إلى مناطق خلال الحقبة السوفييتية والذي يذكّر بتقسيم أوروبا على يد تشرشل وروزفلت وستالين في مؤتمر يالطا عام 1944 قد يسبب شرخاً عميقاً وقاتلاً بين واشنطن وأوروبا. كما أنه سيفتح شرخاً عميقاً داخل أوروبا نفسها بين دول البلطيق المعادية للكرملين صراحة ودول أوروبا الوسطى المؤيدة لروسيا. وهذا بالطبع سيسعد بوتين، وهو أستاذ سابق في سياسة فرق تسد. وبالمثل، ستطبق اختلافات جوهرية في المبادئ على أي رفع للعقوبات.
سخرية
تحدث ترامب مراراً عن الفرص الكبيرة للتعاون التجاري المستقبلي بين الولايات المتحدة وروسيا بعد وقف إطلاق النار. لكن العديد من الأوروبيين ما زالوا يعارضون ذلك بشدة إذ التزم الاتحاد الأوروبي رسمياً بالتوقف تماماً عن أي واردات من النفط أو الغاز الروسي بحلول عام 2029، حتى مع زيادة صادراته من الغاز الطبيعي الروسي المسال بنسبة 25% في 2024.
وتعهد المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس هذا الأسبوع بمعارضة إعادة فتح خط أنابيب الغاز نورد ستريم المدمر جزئياً، بعدما تعرض للتخريب في سبتمبر (أيلول) 2022، بالرغم من أن أحد الخطوط الأربعة لا يزال سليماً، ويمكن أن يبدأ ضخ غاز غازبروم الرخيص غداً. من شأن رفع أمريكا للعقوبات، وبخاصة العقوبات المصرفية، أن يسخر سريعاً من المحاولات الأوروبية للتمسك بالموقف ويشعل شرارة اندفاع الشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية للعودة إلى السوق الروسية.
هل هذه خطوات صغيرة حقيقية نحو تسوية أم مؤامرة شيطانية لزرع الفتنة بين أصدقاء أوكرانيا؟ قد تكون مقترحات بوتين كلا الأمرين بسهولة. لكن حتى الآن، ثمة أمر واحد واضح فقط بحسب الكاتب: ستكون المحادثات طويلة وممتدة وحادة. لكن بفضل مكائد الكرملين، يُتوقع أن يكون الكثير من الخلافات بين أصدقاء كييف، كما هي مع عدو أوكرانيا اللدود.