فريق "أربعاء حمص" يكرس جهوده من أجل إحياء المدينة
فريق "أربعاء حمص" يكرس جهوده من أجل إحياء المدينة
الإثنين 18 أغسطس 2025 / 14:53

مؤتمر "أربعاء حمص التنموي".. هل يعيد لها ألق الحياة؟

في وقت يغرق فيه النقاش العام في سوريا بالخلافات حول كل تصريح رسمي وكل مشروع حكومي، اختار مجموعة من الشباب في مدينة حمص أن يكرسوا جهودهم نحو العمل الإيجابي. وأطلق هؤلاء الشباب على أنفسهم اسم "أربعاء حمص"، وقد قضوا أسابيع في التحضير لمؤتمر تحت عنوان "أربعاء حمص التنموي"، نظم بالتعاون بين وزارة الثقافة، محافظة حمص، وفريق ملهم التطوعي.

ويهدف المؤتمر إلى تفعيل دور أبناء وبنات سوريا في إحياء مدينة حمص، التي عُرفت منذ عام 2011 بـ"عاصمة الثورة السورية"، بعد الانتفاضة الشعبية ضد النظام السوري، والتي انتهت بسقوطه في 8 ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي.

مبادرة حمصية بامتياز

افتتح المؤتمر بصالة جوليا مساء 13 أغسطس (آب) الجاري، بحضور محافظ حمص ووزراء الثقافة والصحة والتربية والكوارث، بعرض صور على شاشة كبيرة بعنوان "من أقمار حمص" للعديد من شهداء محافظة حمص الذين ارتقت أرواحهم خلال الحرب، والتي ساهم فضلها بإسقاط النظام، وكان من أبرزهم الشهيد مغني الثورة عبدالباسط الساروت، وقد هدف المؤتمر بشكل أساس إلى تشجيع أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، وكل من بقدرته أن يتبرع بأي مبلغ لإعادة بناء مدينة حمص العديّة، التي أنهكتها الحرب وهدّمت الكثير من بيوتها ومدارسها، ومستوصفاتها ومشافيها، ودور العبادة فيها، وكذلك العديد من الدوائر الحكومية، والبنية التحتية من شبكات مياه وصرف صحي، وكهرباء، وهاتف، خاصة في الأحياء والمدن والقرى التي تضمها محافظة حمص، ومبادرة فريق "أربعاء حمص" كان قد دعا لها رجل الأعمال نور أتاسي، ابن هذه المدينة، رغبة منه في المساهمة بإحياء هذه المدينة.

 

يوم للعمل والفرح

وسعى فريق أربعاء حمص ضمن مبادرته هذه إضافة للإعداد لهذا المؤتمر، الذي ضم فعاليات عدة ضمن وقائعه، إلى التخفيف من بعض المشاكل التي يعانيها أبناء حمص خاصة الذين عادوا إلى مدينتهم من مخيمات وبيوت إدلب التي هجّروا إليها بسبب وطأة الحرب والنظام البائد، ووجدوا بيوتهم مدمرة أو شبه مدمرة ومحلات حرفهم التي كانوا يسترزقون منها، بدون أية خدمات.

وذكر نور أتاسي في بداية انطلاقة المؤتمر أسباب انطلاقته يوم أربعاء ولماذا حمل فريق مبادرته هذا الاسم، إذا قال: "بعيداً عن ما هو متداول شعبياً، ففي حمص احتفالات قديمة هي أعياد الربيع التي كانت تقام دائماً في نيسان، والتي اسمها "الخمسانات" لأنها كانت تعقد أيام الخميس، لكن الاستعداد لها كان يبدأ يوم الأربعاء فذهب التقليد إلى أن الأربعاء عيد أسبوعي للحماصنة، ومبادرتنا تريد أن تؤكده يوماً للعمل والفرح لأهل المدينة". 

تكريم وجنسية حمصية 

بأغنية " ما أحلى حمص العديّة/ هواها وشمساً وفيّاً / قلبي إلها مشتاق والله اشتقنا لسوريا /....." بدأت فرقة "نوى أثر" بقيادة الفنان فايز الشامي انطلاقة الحفل، ثم مضت الأغنية بالتغزّل بأحياء المدينة من خلال ذكر أسمائها للتدليل على كمية المحبة والشوق لها، بما أن الأغنية كتبت خلال فترة التهجير، وهي تحفّز الناس على العودة لسوريا. بعد ذلك افتتح المجال للتبرع سواء من خلال كود تم نشره، للتبرع من خلاله عن طريق الإنترنت، أو للتبرع مباشرة وهو الذي أعطى فاعلية كبيرة من خلال خلق منافسة بين المتبرعين لتقديم مبالغ أكبر، وجاءت التبرعات بأسماء أشخاص، وبعضها بأسماء هيئات ومؤسسات تجارية وصناعية، وقد تجاوز المبلغ المتبرع به الـ 13 مليوناً من الدولارات، وهو مبلغ لم يتوقعه أحد، إضافة إلى تبرعات عينية كسيارات لقوى الأمن العام، أو سيارات إسعاف لمديرية الصحة، أو قرطاسية لكل مدارس حمص. وستخصص المبالغ تلك لإعادة تهيئة المدارس في بعض الأحياء والمستوصفات، وإعادة تهيئة بعض الآبار في ظل أزمة مياه الشرب التي تعانيها سوريا بشكل عام لانخفاض نسبة المطر في الموسم الماضي، ولتأهيل دور العبادة (مساجد وكنائس) مما أصابها من دمار، ولتهيئة مركز تأهيل المتسولين، ولتأهيل بعض البيوت المدمرة سواء في بعض أحياء حمص أو بعض المدن التابعة لها كمحافظة، مثل مدينة تدمر والقصير وتلكلخ وتلبيسة. ولم يفت القائمون على هذا المؤتمر تكريم الشخصيات التي اعتبرها فريق أربعاء حمص أنها تجسّد (الموظف الكفو)، والتي كتبت عنها الصفحة الخاصة بالفريق أنها تستحق  وسام شرف لأشخاص هامشيين غير معروفين في المجتمع لكنها فاعلة في مسيرة المؤسسات التي يعملون فيها سواء في المجال الخدمي بأنواعه كالشرطة والتعليم والنظافة والكهرباء والمياه والدفاع المدني،  أو المرافق الطبية والهندسية، إلى آخره، وتم نشر صورهم في الطرقات تحت عنوان (الموظف الكفو) أي الكفء.

 وكان قبل هذا التكريم قد مُنح كما هو شائع شعبياً من باب الدعابة في ضوء أن حمص مدينة تصدّر الطرفة على أبنائها، أنك لن تصبح حمصياً، إن لم تُمنح الجنسية الحمصية، ففي ضوء هذه الدعابة منحت الجنسية بشكل رمزي طبعاً لكل من الإعلامي المصري أحمد منصور، ولابن حلب الفنان همام حوت (مخرج حفل المؤتمر) وللأستاذ رائد الصالح وزير الكوارث والبيئة،    

ثقافة بانورامية

وفي مسار آخر هام جداً ومستدام،  استحضر فريق "أربعاء حمص" من خلال منشورات وصور بعض أهم المعالم التاريخية والطرقات لكي يأخذ أهل حمص من الأجيال الجديدة لمحة عن كيف كانت وكيف آلت إليه، كمحفزات للقراءة عن تاريخها، فنعرف من خلالها أن "ساقية" كانت تخترق شارع الغوطة اسمها المجاهدية، أو محطة القطار أنشأت في حمص عام 1920، وثمة اهتمام خاص بالمدارس العريقة التي صنعت الذاكرة في المدينة، ومنها مدرسة الشهيد عبدالحميد الزهراوي، ومدرسة الإرشاد، وقد أشار المهندس فارس أتاسي معاون المحافظ لشؤون المدينة القديمة خلال فعالية المؤتمر  إلى أن ما يسجل لحمص أن المدارس بدأت فيها بهمة المدنيين ولم تكن البداية بمدارس حكومية، ثم منحوها للحكومة. كما لم يغِب عن بالهم ثقافة الغذاء وما الذي تتميّز به حمص من طعام وأكلات لا تعدّ إلا فيها لتوافر موادها الأولية، سواء كانت وجبات غداء أو حلويات شعبية. وكان من الطبيعي ألا يغيب عنهم إرشاد الناس نحو النظافة من خلال طرح السؤال التالي: "كيف فيك تساهم بالمظهر الحضاري بحمص؟". 

وثمة رابط إلكتروني موجود على صفحة " أربعاء حمص" لأجل حملة التبرع لأنها حملة مستمرة، إذ شارك فيها ليس أبناء حمص وحسب، بل بعض السوريين من محافظات أخرى، وإخوة عرب من المملكة العربية السعودية ومن الإمارات العربية المتحدة. 

مفارقات وتعزية

ومن المفارقات أن ما هرب منه فريق أربعاء حمص ولم ينشغل به، وأسس ونفّذ لنا مبادرته هذه قد أمست هي ذاتها، وسريعاً جداً، من كون واقع المؤتمر نقلت ببث مباشر على منصة فريق ملهم، مثار انتقادات كثيرة وتعليقات سلبية "تتمسخر" على حملة التبرعات وتشكك بها، من دون معرفة الذين ارتكبوا هذا الفعل السلبي بآلية التبرعات، في أنها خصصت كل تبرع لمسألة محددة بالاسم، كتأهيل بعض الآبار، أو ترميم مدارس حي محدد، وهكذا، وأن ثمة لجنة ستتابع استلام هذه التبرعات التي لا تزال مستمرة، وتشرف على توزيعها وفق المسألة التي خصص لها، لكننا نعزو هذه المسألة إلى ما زرعه النظام البائد من قلة ثقة بين الناس وبين الحكومة أو بينهم وبين أية مبادرة للمجتمع المدني.

لكن تعزيتنا الحقيقية وتفاؤلنا يتجسدان، فيما مضى فريق أربعاء حمص بقوله على صفحته: "نحن هدفنا أن نساعد حمص أن تقف على رجليها، أن نطيّب جراحها بالحاضر، ونتعرف عليها بالماضي، ونحلم ونخطط لها بالمستقبل".