تصاعد الدخان في الدوحة بعد الغارة الإسرائيلية (أرشيف)
الأربعاء 1 أكتوبر 2025 / 23:23
أظهرت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت شخصيات من حركة حماس، في الدوحة أكثر من أثر تكتيكي أو أمني، فقد أحدثت هزة استراتيجية في معادلة الاعتماد المتبادل بين الولايات المتحدة وشركائها الخليجيين. وقال الكاتبان سارة حرمش، وعبدالله حايك، إن الحدث طرح سؤالاً جوهرياً، إلى أي حد لا تزال القاعدة التقليدية المتمثلة في استضافة قواعد أمريكية، صامدة مصدراً للثقة، في وقت تتسارع فيه تنافسات القوى الكبرى؟
وقالت سارة حرمش، خبيرة في السياسات الدفاعية ومكافحة الإرهاب، والرئيس التنفيذي لشركة H9 Defense، وعبدالله حايك، المحلل السياسي والزميل في برنامج "تاريخ الشرق الأوسط والسلام"، والمتخصص في شؤون المشرق والخليج، الذي عمل سابقاً في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، في مقال مشترك بـ "ناشونال إنترست" إن رصيد النفوذ الأمريكي في الخليج قام تاريخياً على صفقة بسيطة وواضحة، استضافة قواعد وقوات، مقابل قدر من الردع والحماية.
وأضافا أن وجود قاعدة مثل العديد في قطر، مركزاً لقيادة العمليات الإقليمية لقيادات أمريكية، كان يعتبر تقليدياً درعاً سيادياً للدولة المضيفة. وتابع التحليل أن الضربة الإسرائيلية كشفت أن وجود بنية عسكرية أمريكية على أرض الدولة لا يمنع بالضرورة انتهاك سيادتها أو الإضرار بشعورها بالأمن، وحوّلت تلك الشكوك الخاصة إلى أزمة ثقة عامة إقليمية.
وأوضح الكاتبان أن الأمر لم يقتصر على الخرق في حد ذاته، بل شمل أيضاً ما بدا من ردود الفعل الدولية والإقليمية من صمت أو تحفظ أمريكي، وهو ما فسّرته عواصم عربية على أنه مؤشّر على حدود الضمانات السابقة. ومن هنا أصبح الحديث عن "ثقة تُنقّض" أكثر فاعلية من حديث عن "قوة تُبدي نفسها".
روسيا والصين: بدائل صاعدة
وقال التحليل إن الفراغ الناتج يعطي فرصاً عملية لروسيا والصين. وأضاف الكاتبان أن موسكو سارعت إلى إظهار التضامن الدبلوماسي مع الدوحة، مستندة إلى علاقات اقتصادية وعسكرية متنامية شملت اتفاقيات دفاعية واستثمارات متبادلة. وتابع التحليل أن روسيا لا تكتفي بالبيع العسكري، بل تحاول أن تقدّم بدائل سياسية واقتصادية تُقرَب بها دولاً تبحث عن خيارات أكثر مرونة. وأوضح الكاتبان أن الصين دخلت من بوابة التجارة والتكنولوجيا والطاقة، عبر صفقات طويلة الأجل في الغاز، وشراكات بكبرى شركات الاتصالات والبنية التحتية، فضلاً عن أنها أكبر شريك تجاري لبعض دول المنطقة. ومن ثم يرى التحليل أن بكين تقدم نموذجاً اعتماده "الاقتصاد مقابل الحياد السياسي" أو "الشراكة دون شروط سياسية" مقارنة بنمط الضمانات الأمنية الأمريكية.
الاستقلال الدفاعي لدول الخليج
قال الكاتبان إن دول الخليج، مع تفاوتها في القدرات والحجم، اتجهت بالفعل قبل الهجوم إلى تعزيز قدراتها المحلية في الدفاع. وأضافا أن رؤى مثل "رؤية 2030" السعودية ركّزت على توطين صناعات الدفاع، وأن دولة الإمارات عملت على بناء منظومة صناعية متقدمة تحت مظلة شركات مثل "إيدج". وأضاف الكاتبان أن قطر أيضاً شرعت في خطوات لتقوية منظومتها الأمنية عبر شراكات تقنية وصناعية واستثمارات في قطاعي الدفاع والطاقة، وأن ما حصل قد يسرّع مسارات التعاون مع شركاء جدد في أوروبا وتركيا. وأوضح الكاتبان أن تركيا باتت تُعرض نفسها كمسهل في هذا الباب، مقدمة خبراتها وخيارات تصنيعية للجهات الخليجية التي ترغب في تسريع بناء منظوماتها المحلية.
تداعيات إقليمية أوسع
وأشار التحليل إلى أن احتمال توسيع العلاقات مع روسيا أو الصين أو تركيا لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع الولايات المتحدة، بل يشي برغبة واضحة من دول الخليج في الحصول على "مرونة استراتيجية" تُمكّنها من التنويع. وقال الكاتبان إن دولاً ستسعى لخلق توازن بين ضمانات خارجية متعددة وبين بناء قدراتها الذاتية، أي خيار مزيج من الانفتاح الاقتصادي مع تعزيز أدوات الردع المحلية. وفي هذا السياق، أضاف التحليل أن تبعات هذا التحول ليست محلية فقط، بل تمتد إلى المشهد الجيوسياسي الأكبر، حيث قد تُحدث هذه المرونة تغييراً في آليات التنسيق الإقليمي والدولي، وتفرض على الفاعلين التقليديين إعادة قراءة أولوياتهم ومناهج تبادل الضمانات.
وقال الكاتبان إن التعامل مع هذه الحقائق يتطلب تجسيراً وليس اتهاماً. وأضافا أن السياسة العملية قد تقتضي من الولايات المتحدة خطوات واضحة لاستعادة عنصر الثقة، توضيح نطاق الضمانات، وآليات وقت الأزمات، وتعزيز القنوات الدبلوماسية لدرء النزاعات قبل أن تتفاقم.
وتابع التحليل أن الخيار الخليجي الواقعي يكمن في تسريع جهود التنويع الأمني والاقتصادي بقدر من الحذر، الحفاظ على قنوات العمل مع الشركاء التقليديين، وفي الوقت نفسه بناء شراكات استراتيجية تقنية وصناعية تخدم الأمن الوطني والتنمية. وأوضح الكاتبان أن هذا المزيج يخفف الاعتماد الأحادي دون قطع التحالفات الراهنة.
وفي ختام تحليلهما، قال الكاتبان إن ضربة الدوحة ليست مجرد حدث أمني عابر، بل اختبار استراتيجي لقدرة منظومة الضمانات الدولية على الصمود في وجه تحوّلات جديدة. وأضافا أن الخليج، بحكم بلورتها لخيارات متعددة ومتنوعة، باتت أمام فرصة لإعادة تأسيس سياسات خارجية وأمنية أكثر مرونة وواقعية.