الثلاثاء 14 أكتوبر 2025 / 16:25
احتفاليتان موسيقيتان أقامتهما مؤسسة " العمل للأمل" بالتعاون مع وزارة الثقافة السورية، الأولى في دار الأوبرا بدمشق، والثانية بقصر الثقافة بحمص، احتفت الفعالية الفنية المنوعة هذه التي عقدت تحت عنوان "على خطى الموسيقى"، بالتقاليد الموسيقية الغنية والآلات الشعبية في منطقة بلاد الشام والعراق والتراث الغنائي فيهما.
حب الحياة
ضمت احتفالية دمشق افتتاح معرض تفاعلي لبعض الآلات الموسيقية، على أن يبدأ استقبال عشاق الموسيقى لمشاهدته في يوم 12 أكتوبر (تشرين الأول)، ويستمر حتى 6 نوفمبر (تشرين الثاني). ويعتبر" على خطى الموسيقى" مشروعاً تقوده مؤسسة "العمل للأمل" بدعم من صندوق حماية الثقافة التابع للمجلس البريطاني. وكان قد انطلق من خلال البحث الميداني العميق والتعاون المباشر، ليستكشف فن صناعة الآلات الموسيقية والممارسات الموسيقية المتجذرة التي لا تزال تشكل الهوية الثقافية، ورصد أصداء الألحان الشعبية العريقة عبر الأجيال، مجسدةً روح الصمود وحب الحياة.

دور الفنون
وكانت "العمل للأمل" قد تأسست عام 2015 بهدف تقديم برامج التنمية والإغاثة الثقافية التي تلبي الاحتياجات الثقافية والاجتماعية والنفسية للمجتمعات المنكوبة والمهمشة والنازحة. وتؤمن "العمل للأمل" بدور الفنون والثقافة في دعم الأفراد والجماعات، خاصة في ظروف الأزمات. كما تعمل من أجل إغناء حياة الناس، وزيادة الرصيد الثقافي لمجتمعاتهم، ومساعدتهم على المساهمة الفعالة في المشترك الإنساني، عبر إعطائهم فرصة الوصول إلى الثقافة واستخدام أدوات التعبير الإبداعي.

آلات وتعريفات وتجريب
ضم المعرض تعريفاً بآلات كل منطقة، فنشاهد آلات: الكاسور والدف، والساز، والرّبابة، واليرغول، والناي، والشبّابة والمهباج،والطبل، والرّبابة، والمجوز،والمزمار، إضافة إلى الكمنشة. وثمة لوحات تشرح عن كل آلة على حدة، إضافة إلى عرض حي لكل الآلات كتب عليها "جربني"، كدعوة لجميع زوار المعرض أن يمارسوا العزف عليها والاستمتاع بنغماتها، من دون امتلاكهم أية خبرة، لأجل التفاعل أكثر مع محتويات المعرض.

ونقرأ لكم ما كتب عن الشبّابة: آلة موسيقية نفخية، تُعرف أيضاً بالمنجيرة أو القصبية، تشتهر بصوتها الرفيع، والقريب للصفير، ويعود هذا إلى حجم قصبتها الرفيع والقصير نسبياً (حوالي 30 سنتم) تشتهر الشبابة بوادي الأردن وسهل حوران عامة بسوريا، وكذلك في الهرمل بلبنان إذ يسمونها المنجيرة. أمّا ما كتب عن الربّابة أو الرُباب: ظهرت آلة الربابة قديماً في حضارات عديدة، بدءاً من الهند وصولاً إلى بلاد فارس والبلاد العربية. وبالنظر إلى المواد الخام المستخدمة لصنع آلة الربابة العربية، يمكن استخلاص مكان نشأتها وهو البادية والصحراء العربية (مثل بادية العراق، الفرات، شبه الجزيرة العربية، المناطق الجردية مثل الهرمل).

وكتب عن الأرغول/ اليرغول: آلة موسيقية شعبية من عائلة الآلات النفخيّة، عُرفت قديماً في مصر وبلاد الشام، تحديداً في سهل حوران وفلسطين، حيث تعتبر واحدة من أكثر الآلات الموسيقية المستخدمة في المناسبات الاجتماعية والحفلات حتى الآن. يُصنع الأرغول/ اليرغول من خشب الغاب أو البوص، وهو عبارة عن قصبتين متلاصقتين، واحدة أطول من الأخرى. القصبة القصيرة تحتوي على ستة ثقوب، كل ثقب يدل على نغمة معينة، أما القصبة الطويلة مهمتها إصدار نغمة واحدة ترافق اللحن، وهذا ما يميز الأرغول ويعطيه هوية صوتية متفردة.

البزق: هو آلة من عائلة الآلات الوترية ذات العنق الطويل. تشتهر في سوريا ولبنان وفلسطين، وهي معروفة بشكل خاص في المجتمعات الغجرية ومجتمعات الرّحَل. تتألف من صندوق صوتي يُصنع غالباً من شجر الجوز والتوت، ومن وجه يُصنع من شجر التنوب، ولها زند/عنق طويل يُصنع من خشب الزان. يحمل الزند ربطات سوداء اسمها دساتين وهدفها تحديد مواضع النغمات. يتم وضع أربعة أو ستة أوتار على آلة البزق وتربط في نهاية العنق عبر مفاتيح حديدية أو خشبية.

حفل مشبع بالتراث
أما الحفل الموسيقي المرافق للمعرض الذي أحياه الموسيقيون خالد الحسن: غناء وعزف ربابة ودف، رغد الحرك: غناء، رغد رحمة: غناء وإيقاع طبل، علي السنود: عزف على الشبّابة، محمود الحسن: غناء وعزف ربابة ودف، مرهف حديد: غناء وربابة وطبلة، ناقد رحمة: غناء ومجوز وربابة، فواز باقر: إشراف فني وقيادة، كان حفلاً مشبعاً بأغاني تراث سلمية والرقة، حيث افتتح بنشيد سلمية، ثم: نايل وساجوري، سلمية ست البلاد، مجروح قلبي، من عرق خدّه، دبكة قوصار، عيني على الغرّابة، ركايب خلتّي، والختام بأغنية يما تعاليلي. وقد أعيد هذا البرنامج ذاته في الحفل الذي أقيم على مسرح قصر الثقافة بحمص.

إشارات لا بد منها
الإشارة الأولى إلى أن رأس النظام السوري المخلوع قد سرق اسم مؤسسة " العمل بالأمل" التي تأسست كما أشرنا سابقاً عام 2015 ، وأطلقه بآخر حملة انتخابية رئاسية له خاضها مع نفسه كما العادة، عام 2021، لكن بعد أن قلبه إلى "الأمل بالعمل"، وكان طبعاً شعاراً بلا لون أو رائحة أو طعم.
الإشارة الثانية، تفيد بأن المديرة التنفيذية لمؤسسة "العمل للأمل" فيروز التميمي أشارت في دمشق وحمص إلى أن هذه الفعالية هي لإظهار غنى وتنوع التراث اللامادي السوري، والدعوة للحفاظ عليه من الانقراض، وإلى أن المشروع ككل يؤكد أهمية التعايش المجتمعي والسلم الأهلي، في ضوء أن التراث أفضل طريقة لجمع السوريين.

تمدين الغناء
أما الإشارة الثالثة التي مفادها أننا كمتلقين لهذه الفعالية الموسيقية ولهذا الجهد النوعي في الحفاظ على هذا التراث، هو جهد يحتاج إلى إضافات تعززه كوثيقة وتحفظه أكثر للأجيال التالية، بحيث نقرأ كلمات الفنون الغنائية التي تم تقديمها ضمن كرّاس أو دليل الحفل، لترسخ أكثر في ذاكرة المتلقين. ولنا في البرنامج التلفزيوني "حكايات وأغاني على البال" الذي أعدّه الشاعر والملحن السوري الراحل سعدو الذّيب، والذي يُعتبر من أهم إنتاجات التلفزيون السوري منارة يمكن أن نستضيء بها، إذ مضى البرنامج يوثّق كل فنون الغناء في المحافظات السورية، مستعيناً بباحثين من كل محافظة، إضافة إلى جهد معدّه، بحيث استطعنا أن نعرف كل فن غنائي كيف تقدمه كل منطقة، وهذا ما منح البرنامج غنىً وتميّزاً، فعلى مثل هذا التراث الشعبي للأرياف اشتغل أهم الملحنين اللبنانيين بتوزيع العديد من ألحان لبنان، فيما سمي لاحقاً بتوصيف الناقد اللبناني د. فيكتور سحاب " تمدين الغناء الريفي"، الذي ساهم فيه كل من الأخوين الرحباني، توفيق الباشا، حليم الرومي، زكي ناصيف، بتوزيعها على الآت فرقة موسيقية بعد أن كانت تغنى وتعزف فقط على آلة موسيقية واحدة. فنأمل أن يحظى بذلك مشروع " على خطى الموسيقى" الذي لا نملك أن نقول لكل الموسيقيين والإداريين فيه إلاّ شكراً على جهدكم الجميل والممتع، مع تمنيات بالاستمرار والتألق.