مؤيدون لميليشيا حزب الله يرفعون صورة الأمين العام السابق حسن نصرالله (إكس)
الإثنين 27 أكتوبر 2025 / 12:08
يرى محللون سياسيون فرنسيون أن ميليشيا حزب الله الإرهابية تستخدم مزيجاً من الرموز الدينية والوطنية والخطابات والاحتفالات الجماهيرية، في محاولة لإحياء الزخم الشعبي حول فكرة "المقاومة"، بالتوازي مع مواجهة ضغوط داخلية تُطالبه بنزع سلاحها.
ويسعى الحزب إلى استثمار ذكرى الحرب مع إسرائيل قبل عام، لإعادة إنتاج صورته كقوة سياسية وعسكرية واجتماعية فاعلة، وفي تقرير مُوسّع نشرته صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، تناول المراسل آرثر سرادان من بيروت الاستراتيجية الجديدة التي يعتمدها حزب الله، لإعادة تثبيت حضوره واستعادة مكانته.
"عام المقاومة"
ومواصلة ما بدأته في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، تُنظّم ميليشيا حزب الله خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، ونوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، 18 فعالية لإحياء ذكرى ما أطلق عليه تسمية "عام المقاومة"، تشمل عروضاً فنية وحشوداً جماهيرية ضخمة ومسيرات رمزية، تطغى عليها مئات الآلاف من صور أمينه العام السابق حسن نصرالله.
وتُقدّر تكاليف هذه الفعاليات بملايين الدولارات، وهدفها الأساسي، بحسب "ليبراسيون"، تثبيت فكرة أن الحزب ما زال القوة الأكثر حضوراً وهيمنة في الشارع اللبناني، رغم فشله العسكري خلال الحرب الأخيرة.
ولكنّ هذه التحرّكات سرعان ما اصطدمت بالحكومة اللبنانية، ففي 25 من الشهر الماضي، أراد حزب الله تنظيم عرض ضوئي على صخرة الروشة الشهيرة في بيروت، يُظهر صور زعيميه السابقين نصرالله وهاشم صفي الدين، اللذين قتلتهما إسرائيل العام 2024، في خطوة اعتُبرت تحدّياً لرمزية المكان.
وتدخل رئيس الحكومة نواف سلام فوراً بهدف منع العرض، فقيّد التجمع، مما أشعل موجة احتجاج بين أنصار الحزب الذين احتشدوا بالآلاف مردّدين هتافات ضدّ رئيس الوزراء، وهكذا تحوّل الحدث الرمزي إلى استعراض قوّة علني أظهر استعداد الحزب لاستخدام الشارع كورقة ضغط سياسية، فيما وصف سياسيون لبنانيون ما قام به حزب الله بأنه استفزاز خارج معاقله التقليدية.

"مجتمع المقاومة"
ويراهن الحزب على ما يسمّيه "مجتمع المقاومة"، وهو المفهوم الذي يقوم على تعبئة المجتمع في مواجهة "الخطر الإسرائيلي الدائم". وهذا النهج، الذي مكّنه تاريخياً من التغلغل في المناطق المهمّشة، وبناء شبكة خدمات اجتماعية موازية للدولة، عاد اليوم ليشكّل السند الأكبر له في معركة السلاح.
ففي مدن الجنوب مثل صور ونبي شيت والنبطية، تنتشر لافتات ضخمة كُتب عليها "نبقى أوفياء للقَسَم"، في إشارة إلى الوفاء لمسار نصرالله، وهذه الشعارات، برأي اليومية الفرنسية، تعكس رغبة حزب الله في تجديد الرابط العاطفي مع جمهوره.
على خُطى نصرالله!
وفي الذكرى السنوية الأولى لرحيل حسن نصرالله، أقام الحزب احتفالاً ضخماً في الضاحية الجنوبية. وعلى المنصّة أُلقي خطاب الأمين العام الجديد، الشيخ نعيم قاسم، الذي أعلن بوضوح "لن نتخلّى عن السلاح".
ورغم أن محللين وجدوا في الخطاب، هدوءاً ملحوظاً مُقارنة بخطب سلفه، إلا أنه حمل رسالة حاسمة للحكومة اللبنانية التي تطالب الحزب بالانخراط في استراتيجية دفاع وطنية بديلة. وبالنسبة للمؤيّدين، يبقى قاسم "الخطيب المناسب للمرحلة" وإن لم يملك الكاريزما التي تميّز بها نصرالله.
وقال أحد الشبان من بلدة كفركلا، التي دمّرها القصف الإسرائيلي، لـ "ليبراسيون": إن "حزب الله هو من دفع تكاليف إعادة إعمار بيوتنا، وحتى إسكاننا المؤقت تمّ بتمويل منه".

تنبّؤات نعيم قاسم!
وتظهر مشاهد الجنوب اللبناني، كيف يُوظّف الحزب سياسة الذاكرة والمظلومية لإعادة لملمة صفوفه بعد الحرب. فداخل الحسينيات تُعقد لقاءات لمناقشة إعادة الإعمار، فيما تُعرض كتب الشيخ نعيم قاسم، ومن بينها مؤلفه "حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل".
ويوضح آرثر سرادان أن ما كتبه قاسم عام 2008، يبدو اليوم وكأنه نبوءة. فقد حذّر حينها من خطرين أساسيين: صدام داخلي مع الجيش اللبناني يؤدّي إلى محاولة إلغاء دور الحزب، وتراجع الدعم السوري نتيجة ضغوط دولية. وهذان الاحتمالان أصبحا واقعاً وحقيقة اليوم.

إعادة هيكلة لمواجهة جديدة
وقال النائب حسين الحاج حسن، أحد الوجوه التاريخية في الحزب، إن التنظيم "ما زال موجوداً وتعاد هيكلته"، موضحاً أن الحرب الأخيرة لم تُنهِ قدراته بل أعادت ترتيب صفوفه.
وأضاف الحاج حسن "لن نسلّم سلاحنا ما لم يمتلك لبنان استراتيجية دفاع وطنية حقيقية". مشيراً إلى أن الحزب اختبر حجم شعبيته في مناسبتين: جنازة حسن نصرالله التي شارك فيها مئات الآلاف، والانتخابات البلدية الأخيرة التي فاز فيها حلفاؤه بجميع البلديات التي فقدوها سابقاً.
وتختم "ليبراسيون" تقريرها بالإشارة إلى أن جوهر عقيدة حزب الله منذ تأسيسه، يكمن في أنه لا يمكن أن يعيش طرفان متواجهان في أرض واحدة، وكلّ هدنة مؤقتة ليست سوى استراحة في حرب مفتوحة. ومع تصاعد التوترات على الحدود الجنوبية، فالحزب يستعد فعلاً لمرحلة جديدة من المواجهة، حيث تستثمر ذكرى الحرب كوقود سياسي ونفسي لإعادة بناء شرعية "المقاومة" وإبقاء خيار الحرب قائماً.