لوحة الراحل عبد القادر عزّوز
لوحة الراحل عبد القادر عزّوز
الجمعة 31 أكتوبر 2025 / 20:40

الفنان الراحل عبد القادر عزّوز.. لوحاته سردية لشخصيات بشرية بإيحاءات تعبيرية

تُعد تجربة الفنان التشكيلي السوري الراحل عبد القادر عزّوز (1947 -2025) من التجارب اللافتة في المشهد التشكيلي السوري طوال عدة عقود مضت، بدأت ألوانها الأولى تتراقص على أقمشة لوحاته في مدينته حمص وتألقت في إمارة دبي، حتى وافته المنية هناك في مكان إقامته الأخير.

غنى تجربته وتنوعها هي ما تضمّنه الكتاب الذي صدر عنه مؤخراً، بمحتوى عميق ولائق بها.

دراسة نقدية وشهادات

جاء الكتاب الذي صدر مؤخراً في الشارقة ودمشق بعنوان " عبد القادر عزّوز: الرجل والظل"، وذلك عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع. وهو غنيٌّ بصور من أعمال الفنان الراحل تجسّد تنوّع تجربته، كما ضم شهادات من بعض أصدقائه الفنانين وهم: إسماعيل الرفاعي، إدوار شهدا، إميل فرحة، عبد الله مراد، غسان النعنع، منير الشعراني، ومستهلاً بدراسة هامة كتبها الفنان والناقد السوري المقيم في الإمارات طلال معلاّ.   

يعود الفنان معلاّ في دراسته إلى بدايات الفنان الراحل عبد القادر عزّوز التي كانت في منتصف الستينات من القرن المنصرم وبداية دراسته الفن في مركز الفنون التشكيلية بحمص، الذي سمّي لاحقاً مركز صبحي شعيب للفنون التشكيلية، واعتبرها الفترة التي شكلت للفنان الراحل موئلاً غنياً للتغيير والنمو، درس فيها الفن على يدي قامتين تشكيليتين مؤثرتين في أجيال من فناني مدينة حمص، هما صبحي شعيب وأحمد دراق السباعي، وسواهما من الأساتذة ممن بقي الراحل عزّوز وفياً لهم ولخبراتهم التي تزوّد بها في مراحل تعلمه الأولى، سواء في الجانب العملي، أو في الجانب النظري المتضمن العلوم الأساسية في تاريخ الفن والحضارات والمنظور والرسم الهندسي، وكل ما أغنى ثقافته البصرية كشابٍّ كان يعي بوضوح طريقه فيما بعد إلى كلية الفنون الجميلة بدمشق، والذي شكّل بصورة عامة ذاكرته البصرية وعمق البصيرة، للخروج من كل هذا إلى أسلوبه واختياراته اللاحقة، التي تأكدت مع نيله الجائزة الأولى في معرض الشباب الأول على مستوى القطر، حين تخرجه في العام 1971، ليكون من أوائل الجيل التشكيلي الثالث، جيل السبعينات في التشكيل السوري.   

إتقان عاطفي

ثم مضى الناقد معلاّ في تحليله لتجربة الفنان الراحل عزّوز مستعرضاً أهم مفاصلها التي منحت تجربته قيمتها ومكانتها وتحقيقها لصفة المعاصرة واستيعابها للحداثة ومواكبة التطوّر. فأشار إلى أن فترة الستينات من القرن الماضي استطاعت وعبر مختلف التوجهات التعبيرية في المحترف السوري، أن تؤسس من جديد لمركزية الجسد الإنساني كقيمة في العمل الفني. ومنح التجربة هويتها الذاتية على المستوى الثقافي. 

ورأى أن الفنان الراحل عبد القادر عزّوز آمن بأن الفن يتحدث إلى الناس بلغة أتقنها عاطفياً قبل أن تتمثل تشكيلياً، إذ لم يرسم ما لم يشعر به وبأهميته، فالإنسان في منجزه وعلى مدى تجربته الإبداعية يحتل الموقع الأول عاشقاً وحالماً أو محبطاً. 

ويمكن التعرف على توجهه في بناء اللوحة من خلال التوازنات الشكلية واللونية، فاللون المجرد من حقيقته الواقعية، التي تظهر مشاعره تجاه الأماكن والأشخاص باعتباره عملاً لا شعورياً يتحقق بصرياً، بطريقة تربط المشاهد بالعالم من حوله وبقضاياه، بوعيٍ أو من غير وعي، مما يدفع دائماً للتساؤل عن حقيقة ما يُرى في أعماله، الخطوط والألوان والأشكال والأشخاص، وكل ما يحيل إلى ما اهتم به من ثنائيات يمكن اعتبارها النظام الأكثر تحققاً في أعماله التعبيرية، والذي يعتمد فيه على قطبين أو مركزين يكون أحدهما عادة أكثر تحققاً ووهجاً، فيما الآخر يحاول أن يصل إلى ذات التوهج البصري، وهو ما يقتضي الإلمام بجغرافية لوحة عزّوز من جهة، وبمكوناتها وخصائصها وتفاصيلها من حيث كثافة الألوان ورقتها، والكتل الأساسية فيها، ودرجات سطوع اللون وحرارته أو خفوته، وكذلك معدلات وعي الحركة الداخلية والظاهرية للأشكال والعناصر، من جهة ثانية، وسوى ذلك مما يعين على قراءة نظامه الثنائي، وقدرته على إزاحة المعاني المعهودة في التشكيل للوصول إلى اختلافات متناغمة مع العلاقات الداخلية لمكونات اللوحة، وكأنها دعوة مباشرة لإعادة التفكير بكل ذلك كمادة أساسية لنقل الخيال من حالة إلى أخرى.

أبعاد فلسفية للتجسيد

في موضع آخر أشار الناقد معلاّ إلى أن توجهات الفنان الراحل عزّوز قد توافقت منذ البداية مع فرضية مفادها أن للفن ميزة حقيقية وملموسة في تشكيل علاقة الإنسان الأكثر عمقاً مع الطبيعة. فمنذ بداياته كانت لوحاته تحاكي الطبيعة الجميلة بحمص، وما يحيط بها من قرى كالرستن وقطينة وبعض المناطق الغربية التي تمتاز بسهولها  وجبالها الشاهقة وقراها، إضافة إلى بساتين حمص، لا سيما العاصي الجديد مجسداً الطواحين التي كانت تقام على الجسور. وبما أن المشاعر الجسدية هي الموضوع الأبرز في تجربة الفنان عزّوز ويظهرها في استعراض محاولاً السعي لإبراز قيمتها الجمالية لتحقيق الرضا الجمالي للوحته والمستمد في حقيقة الأمر من تجربة الجسد، إذ يبدو هذا الجسد الإنساني في حضوره التعبيري مادة لاستكشاف هذا المفهوم بصرياً ومعنوياً، ليعكس توجه الفنان وارتباطه بذاته وبالآخرين، واهتمامه بالأبعاد الفلسفية للتجسيد، وتطوير الأفكار المرتبطة بالجسد الإنساني.

وفي ضوء ذلك يمكننا – والكلام للناقد معلاّ- اعتبار أغلب لوحات الفنان عزّوز لوحات سردية لشخصيات بشرية موزعة بشكل متناغم، مزدوجة أو فردية بإيحاءات تعبيرية تمزج الجسد بالطبيعة ومشهدياتها المثيرة للاهتمام والمصاغة بتقنية شعرية تدعو للتواصل والتفاعل. 

ثنائيات بمشهديات لونية

وعن مكون هام من مكونات لوحة الفنان الراحل عزّوز وهي مسألة الثنائيات يقول الناقد معلاّ: وضع في لوحاته الأسطورة ضد الواقع، المثالي ضد المادي، العقل ضد الحس، العلم ضد الفن، الفلسفة ضد الدين، الجسد ضد الروح،والذات ضد الموضوع، والفرد ضد التقاليد الموروثة، والظاهر ضد الباطن. 

وبالرغم مما قد يبدو من تضادٍ وتناقض، إلاّ أن هويتهما التوأمية المزدوجة تؤكد تكامل الطرفين باعتبارهما اتحاداً لتحقيق المفهوم أو المعنى.و يختتم الناقد معلاّ بالقول إن ازدواجية الوجود الإنساني ثابتة في أعمال عزّوز، اللذة والألم، السعادة والحزن، الرجل والمرأة، الضوء والظلمة، الحب وخيبة الأمل، ففي لوحاته امرأة يفوح عطرها ويتخلل الحواس إلى عناق رقيق مع رجل يعيد صورة الأنوثة الأبدية، رجل يحارب جسده الطبيعة بينما جسد المرأة يتناغم وتلك الطبيعة وانسجامها معها. إنهما حالتان تتكرران في مشهديات لونية لصياغة تجارب وذكريات فريدة تميّز لوحاته. 

سحر شفيف

وقد رأى الفنان إسماعيل الرفاعي في شهادته أن اللّون يفيضُ من مسام قماش لوحات الراحل عزّوز مثل ضوءٍ مشبعٍ بالحنين. ولطالما كانت لوحاته مشفوعةً بغلالةٍ من السّحر الشفيف. يرى المشاهد للوحاته وعداً بالحياة، لا وعداً بالرحيل، وروحاً تجوب العوالم التي خلقتها ريشته المرهفة والمتأججة، كائناتٌ أثقلها التعب دون أن ينال منها؛ بيوتٌ تميل برقّة على بعضها البعض، وكأنها تستعيد أحاديث ساكنيها قبل أن تفرّق بينهم الدروب؛ نوافذ موصدة على أحلامها؛ رماديّات ملوّنة، وألوان تبزغ وتتلاشى في وهاد القماش؛ تكوينات باذخة في بساطتها.

ونختتم بما كتبه الفنان غسان النعنع الذي رأى أن تجربة الفنان الراحل عبد القادر عزّوز تنوعت وتعددت مواضيعه وخاماته، لكنها ظلت تعكس رؤاه وفكره ومشروعه  الفني، فرسم لوحات عدة لأحياء حمص وأزقتها ومناظر من أريافها والطبيعة الصامتة، تثبت كلها أننا أمام ملوّن ممتع ومكوّن أصيل يغرق في ألاعيب الألوان، بحارّها وباردها، والقيم اللونية بضعفها وشدّتها، مصوّر يدرك تماماً ما يريده مختزلاً كل زائد للوصول لأعمال محكمة الصياغة قوية وجميلة.

إشارات

يذكر أن الكتاب صدر باللغتين العربية والإنجليزية وقد أعدّ الترجمة: زياد عدوان، التحرير والإشراف العام على الكتاب: مأمون الشرع. تصوير اللوحات في "دبي": Natalia Nagornaik، تصوير اللوحات في "حمص" : عروة الفهد وعمر ملص. التصميم والإخراج الفني للكتاب: فادي العسّاف.