رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (أرشيف)
السبت 8 نوفمبر 2025 / 14:26
بعد أكثر من عقدين على سقوط بغداد وتحوّل العراق إلى ساحة صراعات داخلية وإقليمية ودولية، يقف البلد اليوم أمام انتخابات جديدة تُعدّ اختباراً مفصلياً لمستقبله السياسي والاقتصادي. وقال الكاتب والمرسل الصحفي توم أكونور في تحليل إخباري بموقع مجلة "نيوزويك" إن العراق، الذي شهد أول انتخابات غب 2005 على أنقاض الغزو الأمريكي، يقف الآن أمام لحظة فارقة ستُحدد إذا كان سيدخل أخيراً مرحلة الاستقرار التي طال انتظارها.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز اسم رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي كان يُنظر إليه عند تولّيه المنصب في 2022 حلاً مؤقتاً، لكنه سرعان ما رسّخ حضوره السياسي وأطلق مشروعاً لإعادة صياغة موقع العراق في الإقليم والعالم، تحت شعار"العراق أولاً"، وفق مجلة "نيوزويك" الأمريكية.
ويقول السوداني في مقابلة داخل القصر الجمهوري في بغداد إن العراق "أمة ذات جينات حضارية" تعود إلى سبعة آلاف عام، واستعادة الثقة في النفس والهوية الوطنية هي نقطة البداية لأي مشروع نهضوي. ويضيف أن الشعب العراقي "دفع أثماناً باهظة من الاستعمار والحروب والديكتاتورية والإرهاب"، وأن الوقت حان ليُعاد الاعتبار له.
ويؤكد السوداني أن رؤيته تركز على جعل العراق مركزاً للتجارة والاستثمار والطاقة والابتكار، مستفيداً من ثروات النفط، والغاز، والموقع الجغرافي الرابط بين الخليج، وتركيا، وأوروبا، والقوى البشرية الشابة، والإرث التاريخي، والديني والثقافي.
ويرى الكاتب أن السوداني يحاول استعادة صورة بغداد عاصمةً ثقافية حرة كما كانت في العصر العباسي، لا مدينة أنهكتها الانقسامات.
العراق أولاً
يقول السوداني إن شعاره ليس مجرد عبارة انتخابية بل برنامج عمل لإعادة ترتيب أولويات الدولة. ويقارن بين رؤيته ورؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قائلاً إنهما ينطلقان من مبدأ وضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. ويضيف أن عهد ترامب يمكن أن يمثل "فرصة لصياغة شراكة اقتصادية متينة" تعزز الاستقرار وتمنح العراق موقعاً اقتصادياً محورياً. ويصف الكاتب هذا النهج ببراغماتية ذكية، لا تميل إلى الاصطفاف في محاور، بل إلى اللعب دور الوسيط الذي يملك علاقات مفتوحة مع واشنطن وطهران في آن واحد.
نار واشنطن ولهيب طهران
يشير التحليل إلى أن الحرب في غزة وما تبعها من توسّع الصراع عبر الجماعات المتحالفة مع إيران وضع السوداني أمام اختبار حاد. فقد هاجمت فصائل عراقية القوات الأميركية وإسرائيل، وردّت واشنطن بضربات داخل العراق. ومع ذلك، نجح السوداني في وقف التصعيد العسكري داخل العراق، ومنع البلاد من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، ووضع قاعدة سياسية جديدة، قرار الحرب والسلم، بيد الدولة فقط. ويسمي السوداني هذا النهج "الحياد الإيجابي"، أي حماية العراق من أن يكون ساحة حرب، دون التخلّي عن دوره المتوازن.
رؤية 2050
تقوم الرؤية على ستة محاور رئيسة، دولة بلا محاور متصارعة، وحكومة رقمية تعتمد الذكاء الاصطناعي، واستثمار الطاقات الشبابية، وتكامل إداري بين المحافظات، وسيادة القرار الوطني دون تبعية، واقتصاد متنوّع يكسر الاعتماد الأحادي على النفط، ومن أبرز مشاريع الرؤية، ميناء الفاو الكبير، وربطه بتركيا، وصولاً إلى أوروبا تحت مسمى مشروع "طريق التنمية"، وإعادة العراق وجهة سياحية دينية وتاريخية وطبيعية، وإجراء أول تعداد شامل منذ 1987 تمهيداً لسياسات تنموية دقيقة. ويرى السوداني أن العراق الذي كان يوماً "عنواناً للفوضى" بدأ يتحول إلى عامل استقرار إقليمي.
يشير الكاتب إلى أن الانتخابات المقبلة تشهد انقساماً بين كتل سياسية شيعية بارزة، مع غياب التيار الصدري عن السباق. لكن السوداني يعوّل على الجيل الجديد، الذي لا يرتبط بذاكرة حروب وصراعات الماضي، ويبحث عن فرص عمل وبيئة عصرية للعيش. ويقول أحد مستشاري السوداني: "الجيل الجديد لا يريد العودة إلى الماضي. إنه يصوّت للمستقبل".
أمام مفترق تاريخي
يخلص التحليل إلى أن السوداني يدخل المعركة الانتخابية واثقاً في إنجازاته، لكنه يواجه خصوماً أقوياء، وتاريخاً مثقلاً بالتقلبات. ومع ذلك، فإن رهانه على الدولة لا على الميليشيات، وعلى المصالح لا على الشعارات، وعلى الشباب لا على الانقسامات، يجعل مشروعه اختباراً حقيقياً لنهضة عراقية جديدة. ويبقى السؤال الكبير، هل يملك العراق أخيراً فرصة لبدء "الأعوام المئة المقبلة" بعقل جديد ودولة جديدة.