الجمعة 14 نوفمبر 2025 / 00:35
وصف الكاتب والمحلل الأمريكي ليون حدار، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأمريكية، مشهد استقبال الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض بأنه "سريالي" بكل المقاييس.
وأشار إلى أن رؤية رجلٍ كان مطارداً قبل سنوات من القوات الأمريكية في العراق يتجوّل في أروقة واشنطن، ويصافح أعضاء الكونغرس ويلعب كرة السلة مع مسؤولين عسكريين، تمثل ذروة المفارقة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وقال الكاتب في مقاله بموقع "آسيا تايمز" إن زيارة الشرع إلى واشنطن، وهي الأولى لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، تجسّد الفصل الأحدث من محاولات أمريكا العقيمة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط على صورتها.
من المطلوبين إلى ضيوف البيت الأبيض
أوضح حدار أن الإدارة الأمريكية علّقت العمل بـ "قانون قيصر" لمدة 180 يوماً، ورفعت اسم أحمد الشرع من قوائم الإرهاب، في خطوة وصفها بأنها انعطافة حادة في السياسة الأمريكية، هدفها إشراك دمشق في التحالف ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، وفتح الباب أمام توسيع الاتفاق الإبراهيمي.
"تحول تاريخي" في سوريا.. براك يكشف الخطوة التالية - موقع 24جدد المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، اليوم الخميس، دعوته للكونغرس الأمريكي إلى اتخاذ الخطوة التاريخية برفع "عقوبات قيصر" عن سوريا، لمنحها فرصة للازدهار، بعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، ولقاء الرئيس دونالد ترامب.
وأضاف الكاتب أن هذه الخطوات لا تعبّر عن انتصار دبلوماسي، بل عن استمرار النمط الأمريكي ذاته في التقلب بين زعماء الشرق الأوسط، واحتضان من تراه مفيداً مرحلياً، متجاهلة تاريخه المزعج.
واشنطن تكرر الأخطاء القديمة بوجوه جديدة
وتابع حدار قائلاً إن إجماعاً جديداً يتكوّن في واشنطن حول الانفتاح على الشرع، فالمسؤولون في الكونغرس بدأوا بلقاءات معه، فيما تسعى السعودية وتركيا إلى دعمه لملء الفراغ الذي خلّفته إيران وروسيا في الساحة السورية، كما تشير التقارير إلى نية الإدارة إقامة وجود عسكري في قاعدة المزة الجوية بدمشق.
وأشار الكاتب إلى أن هذا المشهد يعيدنا إلى القصص القديمة نفسها: صدام حسين كان يوماً درعاً ضد إيران، والمجاهدون الأفغان كانوا أبطال الحرية، وثوار ليبيا كانوا دعاة الديمقراطية، ثم انقلب المشهد في كل مرة.
وقال إن واشنطن ما زالت تكرر الخطأ نفسه: الإفراط في تقدير قدرتها على تشكيل سلوك الآخرين، وسوء قراءة نياتهم، ثم الصدمة لاحقاً من أن الحليف الجديد أصبح عبئاً استراتيجياً.
الواقعية الباردة أم العناق المسرحي؟
ورأى الكاتب أن الانخراط مع دمشق قد يكون منطقياً من منظور براغماتي، فبحسب البنك الدولي تحتاج سوريا إلى 216 مليار دولار لإعادة الإعمار، وهي أموال لا مصدر آخر لها.
أهداه عطراً وسأله عن عدد زوجاته.. فيديو ترامب وأحمد الشرع يثير تفاعلاً - موقع 24أثار مقطع فيديو لتبادل الهدايا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن تضمّن لحظات ودية ومزاحاً غير معتاد بين الزعيمين داخل البيت الأبيض.
وأضاف أن حكومة الشرع تسيطر فعلاً على العاصمة، وتشن عمليات ضد خلايا داعش، لكن المشكلة، وفق الكاتب، هي في الأسلوب المسرحي الذي ترافق به واشنطن انفتاحها، وكأنها تتعامل مع زعيمٍ مُصلح، لا مع قائد صعد إلى الحكم بالقوة.
وأكد حدار أن العلاقات الدولية تتطلب التعامل مع أطراف غير مثالية، لكن الخلل المزمن في السياسة الأمريكية هو المبالغة في الثقة بقدرتها على هندسة الشرق الأوسط، بينما التجربة تقول إنها غالباً ما تزرع بذور أزماتها المقبلة.
أوروبا تدفع الثمن وواشنطن تتصدر المشهد
وأشار الكاتب إلى أن سوريا تمسّ أوروبا أكثر مما تمسّ الولايات المتحدة، بحكم الجغرافيا وأزمة اللاجئين، ومع ذلك فإن واشنطن هي التي تتصدر المشهد وتتحمّل الكلفة.
وقال إن هذا النمط المتكرر، تدخل أمريكي وتحفّظ أوروبي، هو ما أبقى الولايات المتحدة لعقود أسيرة تدخلات لا تنتهي.
ودعا الكاتب إلى مقاربة واقعية حقيقية تقوم على حصر الانخراط الأمريكي في ملفات محددة كالتعاون ضد الإرهاب، وعودة اللاجئين، واستقرار الإقليم، وترك ملف الإعمار والمسؤولية الكبرى للأوروبيين والإقليميين.
التحالف ضد داعش ذريعة لا أكثر
وأكد حدار أن المبرر الرسمي للتقارب الأمريكي السوري هو إدخال دمشق في التحالف ضد داعش، مشيراً إلى أن الغارات السورية على مواقع التنظيم تزامنت مع زيارة الشرع إلى واشنطن بشكل يثير الشك في التنسيق المسبق.
الشرع: صفحة جديدة بين دمشق وواشنطن بعد مئة عام من القطيعة - موقع 24في سابقة منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، استقبل البيت الأبيض الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي قاتل القوات الأمريكية في العراق وسوريان سابقاً. ومثل اللقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحولاً جذرياً في مسار العلاقات بين البلدين، التي اتسمت بالعداء والقطيعة طيلة عقود.
وأوضح الكاتب أن داعش لم يعد تهديداً وجودياً كما في السابق، وأن الهدف الحقيقي هو تطبيع العلاقات مع دمشق، ودمجها في أطر إقليمية جديدة، وربما التمهيد لاتفاقات أمنية بين سوريا وإسرائيل في ظل تراجع النفوذ الإيراني.
وأضاف أن الشرع خاض حملة دبلوماسية مكثفة منذ توليه السلطة في يناير (كانون الثاني) الماضي، زار خلالها عشرين دولة، قاطعاً مع موسكو وطهران، ومنفتحاً على الرياض وأنقرة وواشنطن. لكن الكاتب حذر من أن الهجوم الدبلوماسي لا يعني تحوّلاً ديمقراطياً، فالرجل جاء إلى الحكم بالقوة لا عبر صناديق الاقتراع، ولا تزال بلاده تواجه تحديات هائلة في المصالحة وإعادة البناء.
واقترح الكاتب ما سماه "النهج الواقعي المتزن" في التعامل مع سوريا، ويشمل التعاون المشروط في ملفات محددة، وعدم المراهنة على شخص الشرع نفسه، والقبول بسوريا كدولة وظيفية لا كنموذج للديمقراطية.
التاريخ يعيد نفسه ببطء وبإصرار
وقال الكاتب إن المؤسسة السياسية الأمريكية لم تتعلم الكثير من مغامراتها السابقة في الشرق الأوسط، وأن الأصوات نفسها التي روّجت للتدخلات القديمة هي التي تبرر اليوم الانفتاح على أحمد الشرع، بوصفه مثالاً للحكمة الواقعية.
وأضاف الكاتب إن رحلة الشرع من المطلوب الأول إلى ضيف البيت الأبيض مدهشة، لكنها ليست سابقة، محذراً من أن حماس نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قد يتحوّل إلى خيبة نوفمبر (تشرن الثاني) 2030.
وختم قائلاً: السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان يجب على أمريكا أن تنخرط مع سوريا، بل هل تستطيع أن تفعل ذلك دون أن تكرر أوهامها القديمة؟.