وزيرا خارجية طالبان والهند (أرشيف)
وزيرا خارجية طالبان والهند (أرشيف)
الخميس 27 نوفمبر 2025 / 00:01

مصالحة الهند وطالبان: براغماتية جيوسياسية في زمن الانكسارات الإقليمية

قال الكاتب سواران سينغ، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جواهر لال نهرو الهندية، إن الانفتاح الهندي المتسارع على حركة طالبان، يمثل واحدة من أبرز عمليات إعادة التموضع في السياسة الخارجية الهندية خلال السنوات الأخيرة، مؤكداً أن نيودلهي تتعامل مع هذا الانفتاح بوصفه ضرورة استراتيجية لا تحولاً أيديولوجياً، في ظل واقع جيوسياسي متشظٍّ وحساس.

وأوضح سينغ، الخبير في شؤون جنوب آسيا والسياسة المقارنة، في موقع "آسيا تايمز"، أن ما بدأ في صيف 2021 قنوات خلفية إنسانية لإجلاء الرعايا الهنود، تحول إلى منظومة تفاعلات مؤسسية ومنتظمة عالية المستوى، تعكس إدراكاً هندياً متزايداً بأن مقاربة عزلة طالبان لم تعد خياراً قابلاً للاستمرار.

زيارات رفيعة 

وتابع الكاتب أن زيارة وزير التجارة والصناعة الأفغاني نور الدين عزيزي إلى نيودلهي بين 19 و23 نوفمبر (تشرين الثاني)، وقبلها زيارة وزير الخارجية أمير خان متقي في أكتوبر (تشرين الأول)، ليست رمزية، بل التواصل الأكثر رسمية منذ سقوط كابول في 2021.  وأضاف الكاتب أن إعادة فتح السفارة الهندية بعثةً تقنية في 2022، ثم الاتفاقات الأخيرة لإعادة رفعها إلى مستوى سفارة كاملة، واستئناف خطوط الطيران، ودعم مشاريع الطاقة والصحة، كلها تعكس نقلة نوعية من الحوار التكتيكي إلى الشراكة المنهجية. 

مأسسة العلاقات

وأشار الكاتب إلى أن الطرفين اتفقا خلال زيارة عزيزي على إحياء فريق العمل المشترك للتجارة والاستثمار، وتعيين ملحقين تجاريين في البعثتين، وهي خطوات قال عنها الكاتب إنها تتجاوز بكثير مفهوم البعثة التقنية، وتكشف عمق التحول في السياسة الهندية. وأوضح الكاتب أن عزيزي قدم لنيودلهي عرضاً شاملاً لتحفيز الاستثمارات، شمل إعفاءات ضريبية لخمس سنوات، ورسوم استيراد بنسبة 1% فقط، وتخصيص أراض تفضيلية.
وحدد مجالات تعاون فورية تشمل التعدين، والطاقة الكهرومائية، والصناعات الدوائية، والتوابل، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

ميناء تشابهار

وأضاف الكاتب أن المحور الأكبر في التحول هو دفع التعاون عبر ميناء تشابهار الإيراني، بما يمكّن أفغانستان من التخلص من اعتمادها على المعابر الباكستانية مثل طورخم وشامان. وقال الكاتب إن هذا ينسجم مع رؤية الهند القديمة لربط نفسها بوسط آسيا والخليج عبر مسارات تتجاوز النفوذ الباكستاني، مستشهداً باستثمارات هندية تفوق 3 مليارات دولار منذ 2001، من أبرزها طريق زرنج–دلرام المرتبط مباشرة بتشابهار.

القطيعة مع باكستان

وأوضح الكاتب أن التوترات بين باكستان وطالبان منذ 2023، نتيجة عجز طالبان عن ضبط حركة طالبان باكستان، واشتباكات الحدود، وترحيل اللاجئين، خلقت أسوأ مرحلة في علاقات البلدين منذ عقود، ما فتح باباً واسعاً لنيودلهي لتتمدد في الفراغ. وتابع الكاتب أن الهند ترى في هذا الظرف فرصة لعودة إلى معادلة أفغانستان عبر عزل باكستان جيوسياسياً.

فوائد استراتيجية 

وقال الكاتب إن هذا الانخراط يمنح الهند مكاسب كبرى، أبرزها العمق الاستراتيجي في مواجهة باكستان، والاتصال بري في وسط آسيا والخليج، وتحييد النفوذ الصيني المتنامي عبر "الحزام والطريق".  وأوضح الكاتب أن الحوار السري بين الجانبين منذ 2022، أفضى إلى تفاهمات متكررة من طالبان 2.0، بمنع أي جماعات معادية للهند من العمل داخل أفغانستان، لكن الكاتب أكد ترجمة هذه الوعود إلى واقع عملي ما تزال غير مضمونة. وأشار الكاتب إلى أن الهند تتبع النموذج المعتمد لدى القوى الكبرى: الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، بالانخراط مع طالبان دون الاعتراف رسمياً بها، لكن مع رهانات إقليمية أعلى بكثير.

وأكد الكاتب أن التقارب كان منطقياً وحتمياً بفعل ثلاثة عوامل، الفراغ الجيوسياسي بعد انسحاب الولايات المتحدة، وضرورات الاتصال الإقليمي المرتبطة بتشابهار، وممر الشمال–الجنوب، والمسارات نحو آسيا الوسطى، وسوابق القوى الكبرى في التعامل مع طالبان دون اعتراف قانوني.

عقيدة  جديدة

وتابع الكاتب أنّ نيودلهي طورت عقيدة ثلاثية في تعاملها مع طالبان، انخراط اقتصادي، واتصال إقليمي، ووجود دبلوماسي دون اعتراف، وضمانات أمنية بوصفها ثمن الشراكة. وقال الكاتب إن هذا يؤدي إلى علاقة متعمقة بسرعة، لا تسمى علاقة دبلوماسية رسمياً، لكن كلا الطرفين يتعامل معها كفرصة استراتيجية تولدت من الضرورة والتوقيت. وخلص الكاتب إلى أن العلاقة بين الهند وطالبان ليست تحالفاً أيديولوجياً بل صفقة جيوسياسية محسوبة، وأن نيودلهي تدرك مخاطر الرهان لكنها ترى فيه ضرورة لضمان مصالحها في غرب آسيا ووسطها، ولمنع خصومها من احتكار الساحة الأفغانية.

وأكد الكاتب أن السنوات القليلة المقبلة ستحدد إذا كانت هذه البراغماتية ستصمد أمام تعقيدات الأمن، وتوازنات القوى، وديناميات طالبان الداخلية.