الخميس 4 ديسمبر 2025 / 17:25
وحده الفن قادرٌ على التعبير عن الألم الإنساني عامة والسوري خاصة، وتوثيقه ليغدو فعلاً إبداعياً، وهذا ما تضمنته لوحات المعارض التي سعي إليها فريق "ذاكرة إبداعية" تحت عنوان "معتقلون ومغيّبون"، الذي أقام مؤخراً معرضه الثالث في مدينة حمص، بعد معرضه في المتحف الوطني بحلب، وكان عرضه الأول في المتحف الوطني بدمشق، وذلك على امتداد ستة أشهر.
بناء ذاكرة جمعية
أقيم معرض حمص في مسرح المدرسة الأرثوذكسية بالتعاون مع مؤسسة "تراثنا" التي مقرها هذا المسرح التراثي، وذلك تحت رعاية وزارة الثقافة، وتم عرض اللوحات فيه بشكل متسلسل منذ عام 2011 حتى عام 2020 بهدف توثيق حالات الاعتقال والاختفاء القسري في سوريا.
فاللوحات المعروضة التي تفاعل معها الحضور كجزء من ذاكرتها وحياتها، والتي جاءت بتقنيات فنية عدة كالرسم والتصوير والكاريكاتير والغرافيك ولافتات، لا تمنح الضحايا مجرد حضور رمزي، بل تُسهم في بناء ذاكرة جمعية تجسّد الانتهاكات، وتنقل الشهادات، وتُعيد للضحايا مكانتهم في الوعي العام وترسّخها، وفق قول مديرة ومؤسس فريق "ذاكرة إبداعية" سنا يازجي الاختصاصية بالتصميم الفني والغرافيك.
فمن منّا لا يعرف وجوه غابت مثل الفنانة الراحلة فدوى سليمان وزميلتها مي سكاف، وهما من طليعة المتظاهرين ضد النظام المخلوع، والمحامي خليل معتوق والناشط مازن حمادة، وغيرهما ممن قضوا تحت التعذيب في سجون المستبد، وأسماء أخرى لم يعرف مصيرها كالفنان زكي كورديللو وابنه، والناشطة الحقوقية رزان زيتونة، أو الشاعر بشير عاني الذي قتلته وابنه داعش النظام المخلوع.

أصحاب الحكاية
قال المهندس والناشط المدني أنور الياس في كلمته الافتتاحية للمعرض: "إنّ التاريخ الحقيقي لا يكتبه المنتصرون، بل يكتبه أصحاب الحكاية.. أولئك الذين عاشوا أحداثها بحلاوتها ومرارتها، ونقلوا تفاصيلها عبر الذاكرة والتوثيق".
وأكد أنّ أهمية المعرض تكمن في ملامسته ضمائر السوريين وجعله قضية المعتقلين والمغيبين قسراً، حيّةً، كونها من أعمق المسائل الوطنية والإنسانية.
فيما أشارت يازجي إلى أن هذه القضية الإنسانية بامتياز، هي قضية وطنية، سياسية، أخلاقية، اجتماعية وثقافية معاً، مؤكدةً رفض التطبيع مع مفردات "المُغيّب" و"المُغيّبة"، ورفض تحولها إلى جزء من هويتنا أو من واقع مفروض.

وقالت: "إننا نريد أن نواجه كلّ ما يعيقنا ويهدد فكرنا ومخيّلتنا، وكلّ ما يمنعنا من أن نعيش حياة عادية، حياة عادية تعني سلاماً عميقاً يقوم على العدل، والاعتراف، والشفافية، والمعرفة، والمشاركة. والمعرض هو طريق نحو العدالة وذاكرة تحارب الإنكار".
من جانبها، أكدت المهندسة لمى عبود مديرة مؤسسة "تراثنا" أهمية هذا المعرض الذي تفتخر " تراثنا" بإقامته في ربوع مقرها، وهو المقر الذي عانى من ويلات الحرب وأعيد ترميمه لخدمة الإنسان والثقافة.

وشاركت فرقة "موزاييك" بقيادة الفنان د. ماريو بطرس، الافتتاح بمجموعة أغنيات ذات طابع إنساني يتلائم مع لوحات المعرض، وهي "اسمها حمص" و"وحدن بيبقوا" و"بتذكرك بالخريف"، خففت قليلاً من قساوة الذكريات والألم الذي تنبض به لوحات المعرض.

يذكر أن فريق "ذاكرة إبداعية" تأسس عام 2013 كأرشيف رقمي مستقل يُوثّق أشكال التعبير الحر الفني والفكري التي ظهرت في سوريا منذ اندلاع الثورة، وهي منصة في تطوّر مستمر، هدفها حفظ النتاج الإبداعي السوري في وجه التعتيم والمحو، وتمكين المجتمع من الوصول إلى روايات السوريين كما صاغوها بأدواتهم الثقافية والبصرية، مع فتح المجال أمام التعدّد والتنوع، والإعلاء من دور الفن كوسيلة للوعي والمساءلة والعدالة.
وهو يحتوي في منصته على ما يقارب 13 ألف مادة و37800 وثيقة في ثلاث لغات ضمن 24 صنفاً، وأكثر من 3 آلاف مساهم يتوزعون بين فنانين وكتاب، في مبادرات جماعية وفردية.

ولم يكتف فريق " ذاكرة إبداعية " بعرض الصور في فعالية المعرض، بل أقام ندوات في معارضه الثلاثة، شاركت فيها مؤسسته الأستاذة سنا يازجي مع ضيوف مساهمين من كل مدينة، من الأشخاص المعتقلين الذين تحدثوا عن تجاربهم الأليمة وعودتهم لحياتهم بعد استعادتهم حريتهم، وبعض الأشخاص المهتمين بتوثيق ذاكرة المكان، ما أغنى المعارض التي أقيمت، كما يتوقع أن تغتني المعارض القادمة باقتراحات أخرى وفق ما يخطط فريق عمل "ذاكرة إبداعية" لإقامتها في محافظات أخرى.

يُذكر أن معرض دمشق قد تزامن مع إعلان تشكيل "الهيئة الوطنية للمفقودين"، ومنحها شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً لتتولى توثيق حالات الاختفاء القسري، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لذوي المفقودين، في خطوة تتوخى تحقيق العدالة الانتقالية والكشف عن مصير المفقودين وتعزيز فرص التعافي.
وقد تم خلال معرض دمشق إطلاق كتاب " معتقلون ومغيّبون: هل علينا أن نتذكر أم ننسى" الذي حمل شعار "الفن يوثّق، والأرشيف يتحدث"، محاولة لجمع سرديات المعتقلين والمغيّبين قسرياً في سوريا، ويضع الفن في صلب عملية التوثيق والمساءلة.