الجمعة 5 ديسمبر 2025 / 14:10

سوريا أمام مُفترق طرق.. ترامب يدعم ونتانياهو يهدد

رأى محللون فرنسيون أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يواصلان اتباع سياسات مُتباينة تجاه الملف السوري، تعكس حسابات سياسية دقيقة لكلّ منهما.

فبعد تحذير وجّهه ترامب عبر شبكته الاجتماعية "تروث سوشال"، داعياً إسرائيل إلى توخّي الحذر وعدم زعزعة استقرار سوريا وقيادتها الجديدة، أعلن نتانياهو قبل يومين أنّ إمكانية التوصل إلى اتفاق إسرائيلي- سوري قائمة، بشرط قيام السلطات السورية بإنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح تمتد من دمشق حتى الحدود مع إسرائيل.

تحدّيات مُعقّدة

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الفرنسي باسكال أيرولت أنّ موقف ترامب تجاه نتانياهو يُبرز تقلّبه بين الدعم والتحذير، حيث كان قبل نحو ثلاثة أسابيع يطلب خطياً من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ منح عفو لإنقاذ نتانياهو من الملاحقات القضائية المُتعددة، بينما أعاد مؤخراً توجيه اللوم لإسرائيل وتوبيخ حليفه الرئيسي في الشرق الأوسط، بعد توغل وغارة للجيش الإسرائيلي في بلدة بيت جن بريف دمشق أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات.

وتعكس هذه التباينات، بحسب الخبراء، التحدّيات المُعقّدة التي تُواجه إدارة الملف السوري، والذي يجمع بين الاعتبارات الأمنية والسياسية والدبلوماسية على المستويين الإقليمي والدولي. يأتي ذلك في وقت تُجدد فيه واشنطن رضاها عن السنة الأولى لرئيس سوريا أحمد الشرع. كما أنّ ترامب يخشى أن تُفشل الضربات الإسرائيلية خططه في توقيع اتفاق أمني سوري- إسرائيلي يسعى إليه.

حدود لا يُمكن تجاوزها

وتنقل يومية "لو بينيون" عن مُراقبين رؤيتهم بأنّ هناك مستويان لتحليل العلاقة بين نتانياهو وترامب، الأول إعلامي مُوجّه للرأي العام في كلا البلدين، والثاني استراتيجي يتم التفاوض عليه وجهاً لوجه. كما أنّ الخطوط الحمراء التي وضعها الرئيس الأمريكي تسمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي أن يُوجّه بدوره تحذيراً لأشد المُتطرّفين في تحالفه بأنّ الحكومة لا يُمكنها تجاوز حدوداً مُعيّنة.

من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي في "لو موند" جيل باريس، أنّ الوضع بعد نحو عامٍ من سقوط نظام الأسد لا يزال هشّاً للغاية في سوريا، مُحذّراً من أنّ النفوذ العسكري الإسرائيلي المُتزايد والحلول الجزئية قد تُؤدّي إلى "تفكك أكبر لسيادة سوريا" حسب قوله، مما يجعل بالتالي أيّ اتفاق بين دمشق وتل أبيب، مُعقّداً ويحتاج إلى ضمانات دولية تُشرف على تنفيذه.

فطنة سياسية وبراغماتية!

شبكة RTL الفرنسية تجد بدورها أنّ استقبال البيت الأبيض للرئيس السوري الجديد، واستمرار ترامب بدعمه، يأتي في إطار مسعى الولايات المتحدة لاستقطاب سوريا إلى التحالف الدولي ضدّ تنظيم داعش وتعزيز دور دمشق في استقرار المنطقة. كما يعكس رغبة الرئيس الأمريكي في استخدام أحمد الشرع كحلقة وصل لإدماج سوريا في المسار الدبلوماسي الغربي، وفتح المجال أمام استثمارات لإعادة الإعمار، مع اعتبار أن الدعم الأمريكي له يحقق مصالح استراتيجية في مواجهة الإرهاب ويضمن نفوذ واشنطن في الشرق الأوسط.

وفي الوقت نفسه، فإنّ استمرارية وقوف ترامب مع الشرع يهدف إلى تكريس شرعيته الدولية بعد سنوات من العزلة، ويُمثّل محاولة لضمان استقرار سياسي واقتصادي نسبي في سوريا، وذلك رغم الانتقادات الحقوقية والخطر من مُعارضة داخلية أو إقليمية خاصة من قبل إسرائيل. وهذا ما يُؤكّد أنّ واشنطن تُراهن على التوازن بين مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية في المنطقة، مع وضع الاعتبارات الأخلاقية والدبلوماسية على درجة ثانية من الأولوية.

كما تُفسّر شبكة الإذاعة والتلفزيون الفرنسية اللقاء التاريخي بين ترامب والشرع في البيت الأبيض بالفطنة السياسية والبراغماتية والمصلحة الذاتية، إذ أنّ هناك الكثير للتفاوض عليه بين واشنطن ودمشق، لدرجة أنّ أحمد الشرع شُوهد يلعب كرة السلة مع قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط.

تبدّل الدور الفرنسي

على صعيدٍ آخر، يرى محللون أنّه رغم الإرث التاريخي والثقافي لفرنسا في سوريا، فإنّ تحوّلات داخلية فرنسية وتبدّلات في أولويات الاتحاد الأوروبي أعادت توزيع ملفات الشرق الأوسط، ما قلّل من وزن باريس كقائدة أوروبية للملف السوري. وأشار مُراقبون في هذا الصدد إلى أنّ فرنسا تتجه الآن إلى تشكيل "محور إنساني‑أمني" يشمل تعزيز حقوق الإنسان، وتأمين الاستقرار والمُساعدات، أكثر من "محور سياسي/ انتقالي" كما كان يحدث قبل سنوات، ما يحد من قدرة باريس على التأثير في المسارات السياسية السورية لصالح نفوذ الولايات المُتحدّة.

في مُقابل ذلك يُواصل ترامب، ورغم اعتراض إسرائيل ومخاوفها، تأكيده في مُناسبات كثيرة بأنّ الولايات المتحدة "ستبذل كل ما في وسعها لضمان نجاح سوريا"، مُشيداً بنظيره السوري الذي دأب على وصفه بـِ "القائد القوي في بلدٍ يُواجه تحدّيات"، ومُعرباً عن اعتقاده أنّ "الشرع قادر على النجاح" وعن رغبته في "رؤية سوريا تُصبح دولة مزدهرة ومُسالمة".