عناصر من الحرس الثوري الإيراني (أرشيف)
عناصر من الحرس الثوري الإيراني (أرشيف)
الخميس 11 ديسمبر 2025 / 14:42

ما الذي يدفع الحرس الثوري الإيراني للتقارب مع الإخوان في فرنسا؟

في فصل جديد من الجدل المُتصاعد حول التدخلات الخارجية في الساحة الفرنسية، يكشف تقرير حديث عن بوادر تقارب غير مسبوق بين الحرس الثوري الإيراني وبعض الشبكات المُرتبطة بتنظيم الإخوان الإرهابي داخل فرنسا.

استراتيجية مُثيرة للقلق

يُفصّل التقرير الصادر في نحو 90 صفحة عن مجموعة الفكر "فرانس 2050" ملامح هذا التقارب، ويصفه بأنّه تحالف ظرفي يقوم على التقاء مصالح سياسية مرحلية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. ويُحذّر من أن إيران تعمل عبر أدوات غير تقليدية لتوسيع نفوذها في فرنسا، مُستندةً إلى حلفاء سياسيين، وشبكات ناشطة، وآليات تأثير بالقوة الناعمة تستهدف الجاليات والمساجد.

كما يرصد التقرير وجود خطوط تواصل بين القنصليات الإيرانية وأعضاء من الإخوان في أوروبا.

ورغم أنّ التقرير يستعرض خريطة واسعة للأنشطة الإيرانية في فرنسا وأوروبا، إلا أنّ الإشارة إلى هذا التحالف الظرفي مع الإخوان تُمثّل نقلة لافتة في أدوات التأثير الإيراني داخل الساحة الفرنسية.

وتسعى إيران، إلى جانب شبكات الإخوان واليسار المُتطرّف، إلى خلق قطيعة داخل المُجتمع الفرنسي. فالخطاب المُشترك حول الإسلاموفوبيا يمنح هذه الأطراف منصّة لمهاجمة العلمانية الفرنسية وتشويهها كنظام يضطهد المسلمين. وهنا تتقاطع مصالح الجميع: مهاجمة السياسات الفرنسية عبر بوابة الإسلاموفوبيا، وتأطيرها كصراع بين دولة قوية وجاليات مسلمة ضعيفة. كما تشترك تلك الأطراف في توظيف الهجوم على الصهيونية والرأسمالية الغربية بوصفه مدخلاً لتأجيج الرأي العام.

لماذا الإخوان تحديداً؟

تُوضح الدراسة أنّ جماعة الإخوان تمتلك حضوراً مُجتمعياً واسعاً في مناطق عدّة من فرنسا، مع شبكات فاعلة داخل المساجد والجمعيات والمنظمات الطلابية، إضافة إلى قاعدة خطابية قادرة على تحريك الشارع.

وتُعدّ هذه العناصر، وفق التقرير، سبباً رئيسياً لاعتبار التنظيم الإرهابي شريكاً مناسباً لتحالفات قصيرة المدى، تتيح للحرس الثوري الإيراني الوصول إلى جمهور جديد وشرائح اجتماعية لم يكن قادراً على مخاطبتها سابقاً. 

كما يرصد التقرير تقارباً في الخطاب السياسي والإعلامي بين الطرفين في ملفات عدّة، أبرزها استغلال قضية الإسلاموفوبيا، ومهاجمة النموذج العلماني الفرنسي، والادعاء بالدفاع عن القضية الفلسطينية باعتبارها محوراً دعائياً مُشتركاً.

ويُشير التقرير الفرنسي كذلك إلى أنّ النظام الإيراني يتقاطع مع الإخوان في تعمّد إساءة تفسير النصوص الدينية لتأسيس مشروع الإسلام السياسي، وشرعنة مُمارسات تُخالف القيم الصحيحة للإسلام، وتوظيف الشريعة لخدمة أجندات سلطوية. كما تستفيد إيران من انتشار شبكات الإخوان في فرنسا بوصفها بنية جاهزة وقادرة على التأثير داخل الجاليات المُسلمة في أوروبا، مُتحدّثاً عن تحالف "أيديولوجي – عملي" يخدم مشروع ما يسمى بـِ "الجهاد العالمي".

شعارات إيرانية في قلب باريس

يرصد التقرير ظهور رموز وشعارات إيرانية خلال التظاهرات الحاشدة المؤيدة لفلسطين في باريس. وبحسب الخبراء الذين استعان بهم مُعدّو الدراسة، فإنّ هذا الظهور لم يكن عفوياً، بل يدخل ضمن ما تُسمّيه طهران "القوة الناعمة المضادة للصهيونية"، وهي استراتيجية تهدف إلى اختراق الفضاء الرمزي للتظاهرات وإبراز إيران كفاعل حاضر في ساحة القضية الفلسطينية. ورغم محدودية هذا الحضور، إلا أنه يُشكّل إشارة سياسية مُركّزة تسعى طهران عبرها لترسيخ صورتها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في الرأي العام الغربي.

ويؤكد التقرير أنّ الحديث عن تحالف بين الحرس الثوري والإخوان يجب وضعه في إطاره السياسي، إذ لا وجود لتقارب فقهي بين الطرفين، بل خلافات عقائدية ممتدة لعقود. غير أنّ اللحظة الراهنة أوجدت مساحات مشتركة يستفيد منها الجانبان: فإيران تعمل على توسيع حضورها في أوروبا عبر منصات احتجاجية قابلة للتأثر بخطابها المرتبط بفلسطين، بينما يرى بعض الناشطين المحسوبين على الإخوان في هذا الزخم الاحتجاجي فرصة لتعزيز نفوذهم وحشد المزيد من المناصرين.

ومن خلال هذه الاستراتيجية تتقدم إيران بخطى ثابتة داخل المجالات الاجتماعية والجامعية والحركية وحتى الإجرامية، مُعتمدة على شبكات محلية تتنوّع بين مؤيدي الإخوان وناشطي اليسار المتطرف الذين يستقطبهم الخطاب المناهض للإمبريالية. والهدف المشترك هو إضعاف التماسك الديمقراطي في المجتمعات الأوروبية، وتعزيز نفوذ الإسلام السياسي، مع إخفاء الارتباط العضوي بالحرس الثوري.

أفق غامض وتحدّيات أمنية

ورغم أن التقرير لا يُقدّم دليلاً قاطعاً على وجود تنسيق تنظيمي ثابت بين الحرس الثوري وجماعة الإخوان، إلا أنه يُحذّر من احتمال تطوّر هذا التقارب الظرفي إلى أشكال أكثر تأثيراً، خصوصاً مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط.

وفي الوقت نفسه، تُواصل إيران بالتوازي اختراق الحركات الطلابية في فرنسا عبر جمعيات ومجموعات مقربة من الإخوان، ومحاولة تجنيد عملاء نفوذ بين الأكاديميين والباحثين والصحافيين، ليقوموا بترويج سرديات تخدم مصالح طهران، وترويع الرأي العام الغربي من فكرة سقوط النظام الإيراني، بالقول إن البديل هو الفوضى أو سيطرة تنظيمات إرهابية مثل داعش أو القاعدة.

ويخلص التقرير إلى أنّ فرنسا تُواجه اليوم معادلة معقدة تجمع بين ضرورة الحفاظ على حرية التظاهر والتعبير، وبين مواجهة مخاطر النفوذ الأجنبي الذي قد يستغل هذه المساحات المفتوحة لإعادة إنتاج حضوره السياسي داخل المجتمع الفرنسي.