جان-لوك ميلانشون، زعيم حزب "فرنسا الأبية" (إكس)
جان-لوك ميلانشون، زعيم حزب "فرنسا الأبية" (إكس)
الثلاثاء 16 ديسمبر 2025 / 14:14

فرنسا تشهد جدلاً حول لجنة تحقيق في علاقات الأحزاب السياسية بالإخوان

أثارت لجنة تحقيق برلمانية جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025، بعد أن حذّرت الجمعية الوطنية الفرنسية من خطورة الروابط المزعومة بين بعض الأحزاب السياسية، ومنظمات أو شبكات تدعم الإرهاب وتنشر التشدد والتطرّف داخل المُجتمع الفرنسي.

ويأتي ذلك في سياق سياسي وأمني بالغ الحساسية، أعقب نشر تقارير رسمية واستخبارية حذّرت من تنامي استراتيجيات تأثير واختراق تعتمدها بعض الشبكات الإسلاموية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان الإرهابية، لا سيّما على مستوى البلديات، والجمعيات، ومنظمات المجتمع المدني.

أهداف اللجنة 

وشكّل البرلمان الفرنسي اللجنة خلال صيف عام 2025، بمُبادرة من حزب الجمهوريين وبدعم واضح من تيارات اليمين، في حين واجهت منذ انطلاقها اعتراضات قوية من أحزاب اليسار، التي رأت فيها لجنة مُسيّسة تُستخدم في الصراع السياسي الداخلي.

وتهدف اللجنة، إلى التحقيق في محاولات الاختراق السياسي للدولة الفرنسية عبر القنوات المُجتمعية، أو الخطاب الانتخابي، أو التحالفات الظرفية بين فاعلين سياسيين ومنظمات دينية أو أيديولوجية. كما تسعى إلى تحديد ما إذا كانت بعض هذه الشبكات، وعلى رأسها تنظيم الإخوان، تعتمد تكتيكات طويلة الأمد للتأثير غير المباشر في القرار المحلي والمؤسسات المُنتخبة، بما قد يؤدي إلى تقويض مبادئ الجمهورية الفرنسية القائمة على الفصل بين الدين والسياسة.

وتشمل مهام اللجنة عقد جلسات استماع لمسؤولين أمنيين، وخبراء في شؤون الإسلام السياسي، وباحثين أكاديميين، إضافة إلى كبار موظفي الدولة، فضلاً عن قادة أحزاب وشخصيات سياسية بارزة. ويؤكد القائمون على عملها أنّ الهدف المُعلن ليس استهداف دين أو فئة بعينها، بل الدفاع عن العلمانية وحماية النظام الديمقراطي من أي توظيف مُنظّم للدين في المجال السياسي.

انتقادات اليسار 

وفي المقابل، ترى أحزاب اليسار، ولا سيّما "فرنسا الأبية" وحزب الخُضر، أنّ اللجنة تعتمد مُقاربة انتقائية تخلط بين مُكافحة التطرّف وممارسة الشك العام تجاه المسلمين في البلاد. واعتبرت هذه الأحزاب أنّ عمل اللجنة يُساهم في ترسيخ مناخ دائم من الارتياب، بدل التركيز على مكافحة الإرهاب استناداً إلى مُعطيات دقيقة وأدلة مُثبتة، مُحذّرة من آثار اجتماعية وسياسية سلبية طويلة الأمد.

وكانت مارين تونديلييه، القيادية في حزب البيئة، من أوائل الشخصيات التي مثلت أمام لجنة التحقيق، حيث نفت وجود تهديد حقيقي لنفوذ الإسلاميين داخل الحياة السياسية الفرنسية، ووصفت اللجنة بأنها تُغذي "مُناخاً من الشك المستمر" تجاه المواطنين على أساس ديني أو ثقافي. وأكدت في الوقت نفسه أن مكافحة الإرهاب ضرورة لا جدال فيها، لكنّها شددت على أنّ الخلط بين الممارسة الدينية والتطرّف، يؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وزيادة التوترات.

ووصفت صحيفة "ليبراسيون"، جلسة الاستماع بأنّها كانت صاخبة من حيث الشكل، لكنّها ضعيفة من حيث الجوهر، مُشيرة إلى أنّ النقاش انحرف نحو قضايا جدلية، بدل التركيز على مسألة الاختراق الإسلاموي وشبكات الإخوان، ما أفقد الجلسة طابعها التقني.

ميلانشون والإخوان: خطاب دفاعي

بدوره، مثل جان-لوك ميلانشون، زعيم حزب "فرنسا الأبية"، أمام لجنة التحقيق البرلمانية، في جلسة حظيت بمتابعة سياسية وإعلامية واسعة، نظراً إلى موقعه المركزي في المشهد اليساري الفرنسي. وخلال مثوله، شدّد على أنّ حزبه غير قابل لأيّ اختراق ديني أو أيديولوجي، مُؤكداً أنّه كان وسيظل مُحصّناً ضدّ أي تغلغل من قبل حركات دينية منظمة، بما في ذلك جماعة الإخوان. كما أصرّ على أن اللجنة نفسها لم تُقدّم أي دليل مباشر يُثبت وجود علاقات تنظيمية أو تنسيقية بين الطرفين.

وأكد السياسي الفرنسي، أنّ حزبه يقوم على أسس علمانية صارمة، ويرفض من حيث المبدأ أيّ توظيف للدين في السياسة، مُعتبراً أنّ الاتهامات الموجهة إليه تندرج ضمن مُحاولات "الخلط المُتعمّد" بين الدفاع عن الحريات الدينية وبين التساهل مع الإسلام السياسي. كما رأى أنّ بعض الاستنتاجات المتداولة حول قوة نفوذ الإخوان تفتقر إلى الدقة، وتعتمد على قراءات مُوسّعة لسلوكيات فردية أو مُشاركات ظرفية لا ترقى، بحسب رأيه، إلى مستوى الاختراق المُنظّم.

انتقادات لأسلوب "المراوغة"

في المُقابل، اعتبر عدد من المراقبين والمحللين أنّ ميلانشون، رغم نفيه القاطع، لم يُقدّم إجابات وافية حول جوهر المخاوف المطروحة، بل لجأ إلى تحويل النقاش بعيداً عن الاتهامات المحددة، ما دفع مُنتقديه إلى القول إنّ أسلوبه اتسم بالمراوغة أكثر من الإقناع.

وأشار تحليل لصحيفة "لا كروا"، إلى أنّ جلسات الاستماع التقنية للجنة سمحت بتسليط الضوء على استراتيجيات التأثير والاختراق التي تعتمدها بعض الشبكات الإسلاموية، وخاصة تنظيم الإخوان، لا سيما على المستوى المحلي والبلدي، غير أنّ استجواب المسؤولين السياسيين، بدا ضعيفاً وغير حاسم.

كما أشارت اليومية الفرنسية، إلى تجنّب ميلانشون الخوض في "المناطق الرمادية" المُرتبطة بحضور مُتعاطفين أو مُقرّبين من الإخوان في فعاليات أو تظاهرات شارك فيها أنصار حزبه، مُكتفياً بالإقرار بوجود أخطاء ظرفية والتأكيد على صعوبة ضبط طبيعة الحشود، وهو ما أبقى جوهر القلق قائماً.