الخميس 18 ديسمبر 2025 / 00:44
قال ثواي دي نغو، أستاذ الصحة العامة في جامعة كولومبيا، إن فوز زهران ممداني في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك لم يكن مجرد تعبير عن غضب الناخبين من غلاء المعيشة، بل انعكاساً لوعي أعمق بالصلة العضوية بين القدرة على تحمّل التكاليف، والصحة العامة، وكرامة العيش في مدينة بلغت حدودها القصوى.
وأضاف الكاتب أن مستقبل نيويورك لن يُقاس فقط بانخفاض الأسعار، بل بقدرتها على تحويل سياسات الكلفة المعيشية إلى سياسات صحة وعدالة واستقرار طويل الأمد.
وأوضح نغو، المتخصص في سياسات الصحة والعدالة الاجتماعية، في مقاله بموقع مجلة "نيوزويك" الأمريكية، أن الأزمات الكبرى التي عاشتها المدينة خلال الأعوام الأخيرة كشفت هشاشة بنيتها الاجتماعية والصحية، وفرضت إعادة تعريف معنى الإصلاح الاقتصادي.
من إعصار إيدا إلى كوفيد-19
أشار الكاتب إلى أن إعصار "إيدا" عام 2021 شكّل لحظة كاشفة، بعدما غرق 11 شخصاً داخل منازلهم، معظمهم في شقق قبو غير آمنة.
وأضاف أن الكارثة جاءت في أعقاب صدمة جائحة كوفيد-19، التي أودت بحياة أكثر من 45 ألف شخص في نيويورك، وتركت مجتمعات بأكملها مثقلة بآثار نفسية واجتماعية عميقة.
وتابع نغو أن هاتين الأزمتين كشفتا أن السكن الآمن، والصحة العامة، والقدرة على تحمّل التكاليف ليست ملفات منفصلة، بل منظومة واحدة ينهار أحدها بانهيار الآخر.
إصلاحات اقتصادية أم سياسات صحة عامة؟
أوضح الكاتب أن الوعود الانتخابية التي حملت ممداني إلى السلطة، مثل النقل المجاني بالحافلات، ومتاجر غذاء تملكها المدينة، والتوسع في السكن الميسّر، ورعاية الأطفال الشاملة، ليست مجرد إجراءات اقتصادية، بل يمكن أن تتحول، إذا أُحسن تصميمها، إلى سياسات صحة عامة فاعلة.
وأضاف الكاتب أن خفض الكلفة لا يحقق الكرامة أو الحراك الاجتماعي ما لم تتغير الشروط البنيوية التي تحكم حياة الناس، من سكن آمن، وأمن مجتمعي، وعدالة إنجابية، وقدرة على مواجهة تغير المناخ، وبنية صحية قوية.
خطة صحية من 6 محاور
وأشار نغو إلى أن هذا الفهم دفع قسم صحة السكان والأسرة في جامعة كولومبيا إلى تقديم رسالة مفتوحة إلى رئيس البلدية المنتخب، تتضمن خطة من 6 محاور لتحويل أجندة الكلفة المعيشية إلى أساس للصحة والاستقرار والعدالة، لافتاً النظر إلى أن ما ستفعله نيويورك سيكون رسالة لبقية المدن الأمريكية.
السكن.. بوابة الصحة أو بوابة المرض
قال الكاتب إن عدم الاستقرار السكني يرتبط مباشرة بتدهور الصحة، موضحاً أن الأبحاث تُظهر أن الإخلاء القسري يزيد معدلات الوفاة واللجوء إلى الطوارئ والاضطرابات النفسية.
وأضاف أن ربع سكان نيويورك يعيشون تحت خط الفقر، وأن أكثر من 146 ألف طالب مدارس عامة عانوا من التشرد خلال عام دراسي واحد.
وأكد أن المقاربة الصحية للإسكان تتطلب ربط إصلاحات السكن بمؤشرات صحية واضحة، مثل: خفض معدلات الربو والإصابات في المباني المتهالكة، وتوسيع الإسكان الداعم، وتعزيز الشراكات بين القطاع الصحي والقانوني لحماية المستأجرين.
الأمن المجتمعي عبر الرعاية لا العقاب
وتابع نغو أن تجريم الفقر والمرض النفسي وتعاطي المخدرات فشل في تحقيق الأمن، وألحق أضراراً واسعة بالمجتمع.
وأضاف أن دراسات حديثة أظهرت انخفاضاً كبيراً في معدلات الاعتقال عندما جرى التعامل مع الأزمات عبر فرق تدخل صحية متنقلة بدلاً من الشرطة.
ودعا الكاتب إلى الاستثمار في استجابات غير شرطية للأزمات، وتدريب مقدمي الرعاية النفسية داخل شبكات المجتمع المحلي، من مؤسسات دينية إلى صالونات الحلاقة.
العدالة الإنجابية وصحة الأمهات
وأوضح الكاتب أن نيويورك تُعد ملاذاً لخدمات الصحة الإنجابية، لكن المؤشرات تكشف تفاوتاً صارخاً، إذ يبلغ معدل وفيات الحمل والولادة أكثر من 52 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية، مع ارتفاع خطر وفاة النساء السود خمس مرات مقارنة بالبيض.
وأضاف أن الحل يكمن في توسيع نماذج الرعاية المجتمعية، مثل القابلات والزيارات المنزلية، وحماية حق الوصول إلى وسائل منع الحمل والإجهاض، وتعزيز دعم ما بعد الولادة.
مدينة للمناخ وجاهزة للصحة
قال دي نغو إن التغير المناخي بات خطراً صحياً مباشراً، إذ يتسبب الحر الشديد في نيويورك في وفيات سنوية تفوق أي كارثة طبيعية أخرى، وأضاف أن الأحياء التي عانت تاريخياً من التمييز العمراني تسجل درجات حرارة أعلى بكثير، ما يفاقم أمراض الجهاز التنفسي والقلب.
ودعا الكاتب إلى إدماج العدالة الصحية في كل سياسات المناخ، وحماية العمال ذوي الأجور المتدنية، وضمان استمرارية علاج الأمراض المزمنة والخدمات الإنجابية خلال الطوارئ.
الاستثمار في الطفولة
أشار الكاتب إلى أن أكثر من 80% من العائلات التي لديها أطفال دون الخامسة لا تستطيع تحمّل كلفة رعاية الأطفال، في حين يتقاضى العاملون في هذا القطاع أقل من نصف متوسط الدخل.
وأضاف الكاتب أن المدارس ومراكز الطفولة المبكرة يجب أن تتحول إلى مراكز صحة متكاملة تقدم خدمات نفسية وغذائية وطبية.
الصحة العامة.. العمود الفقري للإصلاح
أكد دي نغو أن كل هذه المحاور تعتمد على بنية صحية عامة قوية، مشيراً إلى أن كل دولار يُستثمر في الصحة العامة يحقق عائداً يصل إلى 14 دولاراً، ومع ذلك ما تزال هذه المنظومة تعاني نقص التمويل.
ودعا إلى تمويل كامل لدوائر الصحة والمستشفيات، والاستثمار في العاملين الصحيين المجتمعيين، وتعزيز التعاون بين الحكومة والجامعات والمجتمع المدني.
الكلفة والصحة معركة واحدة
خلص ثواي دي نغو إلى أن أجندة الكلفة المعيشية لا يمكن أن تنجح بمعزل عن الصحة العامة، وأن نيويورك تملك فرصة لقيادة نموذج وطني يربط العدالة الاقتصادية بالحق في الصحة.
وأضاف أن المدينة، في زمن تتعرض فيه الصحة والعلم وحقوق الإنسان للهجوم، قادرة على إثبات أن مدينة أكثر عدلاً وصحة ليست حلماً، بل خياراً سياسياً ممكناً.