نبيل سليمان
نبيل سليمان
الخميس 18 ديسمبر 2025 / 19:07

ثمانون عاماً كأنها البداية لمبدع اسمه نبيل سليمان

بمناسبة بلوغ الروائي والناقد السوري نبيل سليمان ثمانين عاماً صدر عن دار الحوار في (سوريا والإمارات) كتاب "نبيل سليمان ثمانون عاماً".

الكتاب الذي ضمّ شهادات ودراسات لكوكبة من الكاتبات والكتّاب بلغ عددهم 77، من عدة أقطار عربية، ومن الهند والصين وإيطاليا، هو بمثابة حديقة ضوء عليه روائياً وناقداً وإنساناً، كما يشكّل الكتاب مرجعاً هاماً للقرّاء والدارسين لتجربة سليمان الإبداعية.

مدوّنة غنية

تفيد مدونة الروائي والناقد السوري نبيل سليمان بإنجاز إبداعي متنوع بدأ عام 1970 من القرن الماضي برواية "ينداح الطوفان"  ثم ألحقها بـ 23 رواية كان آخرها "أوشام"، كما أصدر في النقد الأدبي 32 كتاباً، ابتداءً بكتاب "النقد والأيديولوجيا في سورية" بالاشتراك مع الراحل بوعلي ياسين، وآخرها " أرواحهم في المفكرة"، وله ستة إصدارات في الثقافة والشأن العام، ونالت إبداعاته حظاً طيباً من المواكبة النقدية تجسدت في أكثر من عشر مؤلفات.

حصل خلال مسيرته الإبداعية على عدد من الجوائز الأدبية، آخرها جائزة سلطان العويس الثقافية 2021، وتم تكريمه في أكثر من بلد عربي، وفي الهند، وألمانيا، والصين، كما شارك في عدة لجان تحكيم عربية أدبية خاصة بفني القصة والرواية، وترجمت بعض رواياته إلى الإسبانية والإنجليزية والروسية والدانماركية  والفارسية. 

إنسان استثنائي

وإن كان نبيل سليمان قد جمع بعض الحوارات الأدبية التي أجريت معه ونشرت في صحف ومجلات عربية، فهو في كتاب "نبيل سليمان 80 عاماً" نشر فيه شهادات أدبية ودراسات نقدية حول بعض كتبه، كتبت خصيصاً لهذا الكتاب، نقتطف من بعضها:

"رأت القاصة والروائية الليبية رزان نعيم المغربي في شهادتها بلوغ نبيل سليمان الثمانين ليس مجرد رقم بل هو محطة تحتفي بإنجازاته ككاتب ومثقف وقبل ذلك كإنسان استثنائي، وأن ما يميزه كإنسان، القدرة على الإنصات ليس فقط للكلمات بل إلى ما بين السطور. 

وقد رأت إذا كان الأدب مرآة للواقع فإن سليمان استطاع أن يعكس هذا ببراعة وجه هذا الواقع في لحظاته المضيئة والمظلمة عبر أعماله "المسلة، جرماتي، ثلج الصيف" حيث استطاع في تلك الروايات تقديم شهادات صادقة عن معاناة الإنسان وصراعاته مع القهر والظلم، لاسيما عندما تناول قضايا السجن والتعذيب في روايته المبكرة "السجن" وكذلك في روايته "سهر الليالي" التي أكدت على شجاعته ككاتب لا يساوم على الحقيقة.

ما يميز أسلوب سليمان الأدبي في نظر الروائية المغربي هو تلك البراعة في نسج الحكايات وربطها بخيوط الواقع، قراءته ومعارفه يوظفها في نصوصه، نظهر في أعماله كبصمة خاصة، حيث يمتزج الخاص والعام، في لوحات سردية تجمع بين التحليل العميق والأسلوب الرشيق".

وتختم رزان المغربي شهادتها بالقول: "لم يكن سليمان روائياً بارزاً فقط بل ناقداً نزيهاً لا يقبل المديح المجاني ولا يجامل على حساب الحقيقة لطالما كان يقول الأدب الصادق هو ما يفرض نفسه بلا حاجة لأي تصنّع.. ثمانون عاماً لكنها تبدو كأنها البداية لشخص مثل نبيل سليمان الذي يظل يحمل روح الشباب وعقل المفكر".

معارج البحث

أمّا القاص والإعلامي الإماراتي عبد الحميد أحمد، الأمين العام لمؤسسة العويس الثقافية، فقد رأى أن جيل نبيل سليمان قد ملأ حياتنا بالصخب الفكري ليس لأنه جيل أكثر ثقافة ولم تنل منه التقنيات المعاصرة كما نالت من جيل جاء بعدهم، بل لأنه ينتمي إلى جيل كانت قضاياه تقوده إلى معارج البحث والتنقيب وطرح الأسئلة، جيل أراد أن يصادق الحرية ويطرد الظلم ويقف مع القضايا العادلة في العالم، جيل عرف معنى العيش الكريم من خلال وقوفه إلى جانب الحق كتفاً لكتف، وكأنه يدافع عن أرضه وبيته وليس عن أفكار وأحلام طوباوية تتحطم على صخور الشاطئ.

كما أشار في شهادته إلى أن بحث نبيل سليمان عن معنى لوجوده في فترة قلقة ومضطربة من حياة جيل وطني وقومي، فلم يجد سبيلاً للتعبير عن ذلك الوجود إلاّ من خلال القلم، فكتب عن البسطاء من العشاق وعن المهمومين من الناس ورسم ملامحهم في روايات يكاد ينفر منها الضوء لشدة توهج كلماته، ويكاد بريقها يعانق طموحات شباب تلك المرحلة.

يعيش الحياة

أمّا الروائي والشاعر اليمني علي المقري فمضى يقول: "يرتبط اسم نبيل سليمان لديَّ بالبهجة، فمنذ أن قابلته أول مرة في صنعاء، شعرتُ أنه (يعيشُ الحياة)، ولم أجد تعبيراً مناسباً غير هذه العبارة". ثم يتابع قائلاً: "ما يمكن ملاحظته أن نبيل سليمان بقي مخلصاً للمنحى الأدبي الفني في كتاباته، والذي كان في الغالب يطغى على المنحى السياسي المباشر، وذلك من خلال بناء الشخصيات الصراعية التي يُضيئ حياتها من جوانب اجتماعية مختلفة، وهذا ما سوف نقرأه في روايته (ثلج الصيف)، التي كتبها بشكل مبكر من تجربته الأدبية (1973) وفيها استخدم تقنية تعدّد أصوات الرواة".
كما رأى أن التحولات الأخيرة في سوريا تحفّزنا لإعادة قراءة روايات نبيل سليمان، والتي تشكّل مرجعاً أدبياً لقراءة المجتمع السوري منذ فترة تشكل الدولة السورية الحديثة في عشرينات القرن العشرين وحتى الآن. وبالذات ما سنجده في رباعيته "مدارات العشق"، والمكونة من أربعة أجزاء. والتي تبدو لقارئها كأنها تاريخ لسوريا من زاوية أدبية.

ظل نبيل سليمان، سواء في منجزه الأدبي أو في حياته في المجتمع السوري، صوتاً حرّاً يساهم في نشر التنوير الفكري ويُحفّز الناس على مواصلة الحياة بطريقة حرّة، وأقل قسوة.  

الارتقاء بالرواية العربية

ومضى الناقد السوري د. سمر روحي الفيصل يقول: أعتقد أن المدخل المقبول على فعالية نبيل سليمان الأدبية والنقدية يضم أمرين هما إيمانه بوظيفة الأدب وسعة اطلاعه على النصوص الجديدة في الأدب والفكر وأنا -هنا- ميال إلى أن وظيفة الأدب في نصوص نبيل سليمان - ضمن هذه الفعالية-  ليست سياسية بالمعنى الضيق، إنما هي سياسية بمعنى عِلْم تنظيم المجتمع غالباً.

ذلك أن هذه النصوص - الروائية خاصة - كان تسعى بلغة الفن إلى فهم المجتمع العربي في حركته الاجتماعية التاريخية، بغية تحديد الفاعلين فيه سلباً وإيجاباً، من غير أن تتنازل - ليس في رباعية مدارات الشرق وحدها، ولا في غيرها-  عن طبيعة هذا الفن سواء كانت طبيعة خاصة بالرواية أم كانت طبيعة خاصة بمنهجية التأليف في الكتب النقدية. ثم إنني أعتقد أنه من الظلم لفعالية نبيل سليمان أن ننسى سعة اطلاعه على الإنتاج الأدبي والنقدي والفكري في سوريا وغيرها من الدول العربية.

لقد جهد طوال عقود في أن يعبّر بلغة الفن حيناً وبلغة البحث والمحاضرة والحوار أحياناً عن رأيه وموقفه وأنتج نصوصاً ماتعة، وأسهم في الارتقاء بالرواية العربية ولم يعقه عن ذلك اختلاف في الرأي واعتراض على بعض المواقف والآراء، فقد ملك تعدداً في مشاربه الثقافية في حقول معرفية كثيرة أبرزها الرواية والنقد الأدبي والفكري إضافة إلى قدرته على متابعة الجديد في عالم الرواية العربية ودراستها ومهارته في كتابة المقالات القصيرة في موضوعات قلما انتبه إليها وإلى ذاكرة فطنة قادرة على استدعاء الكتب والنصوص حين يحتاج إليها في أثناء كتابة دراسة أو مقالة بغية تقديمها على رأي يسوقه أو ملاحظ يأخذها على هذا النص أو ذاك، وقبل ذلك وبعده تلك القدرة اللغوية التي جعلته يقدم نصوصاً لا تنقصها الدقة في التعبير عن المعاني ولا الإحاطة في الموضوع.

المشاكسة الذكية

رأت الروائية والإعلامية البحرينية فوزية رشيد أن نبيل سليمان احتفظ بذاك الطفل الكامن في داخله الذي لم يفارقه قط كعنوان ملازم لبراءة القلب، وفضول العقل، والمشاكسة الذكية، وصخب التهكم السرّي فيما رواه من سرديات مضفورة بحكمة نادرة، يصوغها بوجدان المحب للفكاهة وحكايات الزمان، وإبحار العقل والوعي في الأساطير والأمثلة والخرافة، لتنتج نوعاً من الرواية ذات نسق خاص بها وحدها، لكأن الطفل الحكيم يراقب ويشاكس في ذات الوقت تقلبات الزمن، ومكابدات الوطن.

وفي نظر فوزية رشيد كتابات نبيل سليمان الثرية رحلة استكشافية جسور، برؤية وذائقة جمالية مغايرة وكأنه يحكي الطفولة في توقها وتجسدها للبراءة والإنسانية البيضاء، ويحكي النضج بمخيلة واسعة تسعهما معاً، تجعل من الحزن والشغف والحرية والانتكاسة والقهر والقمع مزيج فلسفي مدهش، بتجريب لغوي وسردي يمزج بين الروح السائدة ومخيلة الراوي وهو يتوحد بوطنه المقهور وتاريخه السرمدي وشجونه الباسقة، فيضع الحزن في بوتقة مخرومة بالإمكان الانفلات منها، فينتج من القلق بهجة الإبداع، وهو من قال "رواياتي تعانق المستقبل وهي التي لم تحفر في التاريخ ولا في الحاضر إلاّ من أجل معانقة المستقبل بالقيم الإنسانية النبيلة".

المثقف النقدي

وكتب الروائي السعودي عبده خال في شهادته: "يحمد للصديق نبيل سليمان الإتيان بمصطلح (المثقف النقدي) إذ أن هذا الدور يصفي النفوس من آثار وخيمة عبرت الإنسان السوري، مع الابتعاد عن إعادة إحصاء حبات (مسبحة) الكره والمطالبة بالثأر، والحمد أن يتحرك الصديق نبيل مع ثلة المثقفين السوريين في هذا الفضاء المتسع للحب، فالحب هو البناء الرئيس لما تم تهشيمه، وترميم بلد مزقته الحرب، وسبق ذلك التمزيق نظام شمولي حجز على منافذ الأنفاس لأكثر من نصف قرن. والصديق نبيل سليمان قضى تلك السنوات تحت كابوس السلطة، ومن خلال إبداعه استطاع تمرير ما يمكن تمريره، فالذاكرة الإبداعية العالمية تؤكد أن الإبداع الروائي استطاع النفوذ من براثن الاستبداد عبر العالم، ولنا في الأدب الروسي أكبر مثال في هذا".

مغامرة شديدة التركيب

ورأى الروائي والناقد التونسي د. نزار شقرون في مساهمته النقدية، أن الذّهاب في اتّجاه النقد مغامرةٌ شديدة التركيب بالنسبة لأيّ روائي، فهي تَضعُ الروائي في منزلة بين هويته ككاتب وبين هويته كقارئ نوعي. تلك المنزلة عايشها الروائي نبيل سليمان، فَعُدّ النقد مقوّماً من مقومات أدبه، وصفة ملازمة له في مختلف منعطفات مسيرته.

لقد بدا ذلك الطريق الذي سلكه وعراً منذ البداية حين ألّف مع بوعلي ياسين كتاب "الأدب والأيديولوجيا في سورية" (1974)، في سياقٍ محفوف بتطاول الأيديولوجيا والمناهج المغلقة الشبيهة بالعقائد المحنّطة. ونما لديه آنذاك شعورٌ بالحاجة إلى "النقد" الذي لا يعتقلُ النص، ولذلك مضى في كتبه النقدية "سيرة القارئ"، "في الإبداع والنقد" و"فتنة السرد والنقد"، وغيرها، يمارسُ النّقد من خلال الوعي بأزمة النّقد العربي، فهو يدرك بأنّ تلك الأزمة جزء من أزمة أشمل يتضاءلُ فيها "النقد" في هواء الحياة العربيّة المعاصرة قبلَ أن يتأزّم في الخطاب النقدي الأدبي ذاته، هناك مناخ إبداعي شامل مريضٌ بنقص مناعة النّقد، بل في أسوأ الحالات فقيرٌ إلى ما به يكونُ النقد نقدا وليسَ إجراءً تطبيقيّاً واستعراضاً لمهارات نظريّة.

وإذا كان النقد لديه "فعاليّة إنسانيّة طبيعيّة وحضاريّة ضروريّة" فإنّهُ لا يتوانى عن المخاطرة بآرائه حول ما يحدث في ساحة النقد العربي إمّا بوضع الخطاب النقدي على المحكّ من خلال نقد النقد، فكتب "النقد الأدبي في سوريا" (1980) و”مساهمة في النقد الأدبي” (1982) ومباشرة النصوص الروائية بالدرس النّقدي ابتداء من كتابه “وعي الذات والعالم” (1985).

ويأتي تحرّكه طيلة هذه العقود لانتشال الإنتاج الأدبي من الإهمال ومن الدّرس النّقدي الذي يؤذي النصّ بدل أن يكشف خباياه، فاتّسم نقد سُليمان بمحاورة النّصوص، وليس بتعنيفها أو بفرض إسقاطات نظرية على بناء عالمها، فهو يستفيد من كل المناهج بما يتناسب مع النصّ وليس العكس، ويُعمل معوله النّقدي بأناة كلّما انتبذ مكاناً قصيّاً عن كتابته الروائية، حيثُ يحلّ النقد في "هدأة" الكتابة.

إنه على امتداد ما كتب في النقد الروائي لا يتورّع عن طرح كبريات القضايا التي تصل الرواية العربية بالحداثة والشعر والهوية وعلاقة المجتمعات العربيّة بغيرها من المجتمعات، وهو في ذلك النقد يستجمع في ذاته الناقدة وعياً بطرق الكتابة الروائية وبما يعيشهُ الروائي أثناء إنشاء عالمه الخاص، وكيف يقرّب القارئ من النص بتوسل خطاب يبتعد عن "رطانة" المصطلحات لأجل كسب القارئ في خضمّ الخسارات التي مُني بها الخطاب النقدي "المتعالم".