الناقد والأكاديمي السوري د. سعد الدين كليب
الناقد والأكاديمي السوري د. سعد الدين كليب
الإثنين 29 ديسمبر 2025 / 22:20
طه حسين أول من درس ابن خلدون في أطروحة جامعية

سعد الدين كليب يفتح نافذة على "مقدّمة ابن خلدون"

إحياء كتب التراث العربي ضرورة ثقافية تحفّز الأجيال الجديدة على الاهتمام بها والاستفادة منها، ولعل الاستفادة تبلغ مداها مع كتب المؤسسين للعلوم الإنسانية، ككتب العالم الجليل ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، وهذا ما فعله الناقد والأكاديمي السوري د. سعد الدين كليب في كتابه " نافذة على مقدّمة ابن خلدون"، الذي يأتي ضمن مشروع ثقافي لدار المحيط بالإمارات لإحياء بعض الكتب التراثية.

التضامن الاجتماعي

وتأتي أهمية هذا الكتاب لما بات معروفاً أن ابن خلدون قد حلل في المقدّمة نشوء الدول وانهيارها عبر مفهوم العصبية (التضامن الاجتماعي)، ووضع أسس دراسة العمران البدوي والحضري، واقتصاديات المعاش، وعلوم الاجتماع، مُستخدماً منهجاً استقرائياً فريداً يجمع بين التاريخ والتحليل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، مُظهراً كيف تتشكل الأمم وتتطور بفعل البيئة والتفاعل الاجتماعي، وتُعد خلاصة أفكاره هي ربط الظواهر الاجتماعية بـ"قوانين" طبيعية لفهم حركة المجتمعات.

المبتدأ والخبر

أشار د. كليب في مقدمة الكتاب إلى أن علم الاجتماع وعلم التاريخ يدينان لابن خلدون في النشأة والتبلور على السواء، فهو المؤسس الأول أو الأب الأعلى لعلم الاجتماع، وهو أول من رأى ضرورة أن يكون للتاريخ علم قائم بذاته.

يختلف عن مجرد التأريخ أو السرد التاريخي، كما أشار إلى أن ابن خلدون سعى إلى تحديد الأسس أو الضوابط الناظمة لذلك العلم وهو في أثناء تأسيسه وسعيه، طرح الكثير من الآراء والنظرات اللافتة للنظر في أوانه وحتى اليوم، في عدد من الحقول المعرفية كالفكر الديني – السياسي، والفكر الفلسفي،وفي الاقتصاد السياسي، وعلم التربية وعلم اللاهوت ونظرية المعرفة، وكذلك في نظرية الشعر والأدب والفن عامة.

 أمّا ما الذي جعل المقدّمة تحضر بقوة أو يتردد صداها في تلك الحقول بمستويات متفاوتة، فهي في رأي د. كليب "منجم متعدد الطبقات والمستويات ومتنوع المعادن والمشارب"، وهذا أيضاً ما جعلها تبدو مستقلة تماماً عن الكتاب الذي هي مقدمة له وهو " كتاب العبرَ وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".

ومضى د. كليب يقول عن أسباب صيت المقدمة الذي ذاع شرقاً وغرباً وعلماً وأدباً بمعزل عن الكتاب الذي تقدّم له: " لما تنطوي عليه من قيم وأطروحات علمية وثقافية رائدة ولاسيما في علم الاجتماع الذي لم يظهر له آباء في الغرب الأوروبي إلاّ بعد ثلاثة قرون على الأقل من كتابة المقدمة، فكان اكتشاف ابن خلدون غربياً أشبه بالمفاجأة المذهلة غير أن اكتشافه عربياً هو الآخر كان أشبه بتلك المفاجأة".

مونتسكيو العرب

وبعضنا قد يتساءل متى حققت المقدمة حضوراً لائقاً بها، فعن ذلك يقول د. كليب لم يكن للمقدمة في زمن كتابتها في القرون التالية ذلك الحضور الدال على أهميتها أو خطورتها العلمية، فلم تكن أكثر من مقدمة لكتاب في التاريخ، أراد مؤلفه أن يتوسع في  التعرض لعدد من المسائل والقضايا العلمية والاجتماعية والثقافية قبل البدء بالسرد التاريخي.

ومن غرائب المصادفات أن يُعتنى بطباعة المقدمة عربياً وغربياً في منتصف القرن التاسع عشر وفي العام نفسه تحديداً وهو عام 1858 وذلك عندما طبعت في مصر بإشراف الشيخ نصر الهوريني، وفي باريس بإشراف المستشرق إيتان كاترمير، ثم توالت الطبعات محقّقةً حيناً وغير محقّقةٍ أكثر الأحيان، على نحو يصعب الإلمام به.

لكن تجدر الإشارة إلى أن اكتشاف ابن خلدون في الغرب سبق ذلك العام بقرن ونصف تقريباً فقد ظهرت المقالات والدراسات العلمية والتعريفية بابن خلدون وبآرائه الاجتماعية، منذ أواخر القرن السابع عشر وبدايات القرن الذي يليه، حتى أن الألماني فون هامر يذهب إلى اعتبار ابن خلدون (مونتسكيو العرب)، وذلك في عام 1812 ، ويذهب آخرون إلى أن ابن خلدون أسبق من الفرنسي أوغست كونت والإيطالي جيامبا تيستا فيكو، في الأبوة لعلم التاريخ وعلم الاجتماع معاً. 

ثم أشار د. كليب إلى أن  هذا الإعجاب بريادة ابن خلدون في فترة لم يكن متوقعاً فيها مثل هذا النزوع العلمي في حقلي الاجتماع والتاريخ خاصة، فنشطت حركة علمية حول الرجل وفلسفته الاجتماعية، كان من جرّائها حصول طه حسين على شهادة الدكتوراه في جامعة السوربون سنة 1917 على أطروحته المعنونة بـ " فلسفة ابن خلدون الاجتماعية"، بإشراف عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم، وهي من أوائل الرسائل الأكاديمية حول ابن خلدون إن لم تكن أولاها بإطلاق.

أبواب وفصول

وقد مضى د. كليب يعرّفنا بكتاب العبر، فهو يتألف من مقدمة وثلاثة كتب، جاءت المقدمة في فصل التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع بمغالط المؤرخين، وجاء الكتاب الأول في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم، وجاء الكتاب الثاني في أخبار العرب وأجيالهم.

 أما أخبار البربر ومن إليهم فقد جاءت في الكتاب الثالث، غير أن المصطلح عليه بمقدّمة ابن خلدون يشمل المقدمة في فصل التاريخ، وكامل الكتاب الأول، وهي تتألف من ديباجة الكتاب ثم المقدمة في فصل التاريخ، ثم طبيعة العمران في الخليقة، وقد توزع على ستة أبواب: في العمران البشري، والعمران البدوي، والدولة العامة، والبلدان والأمصار، والصنائع والعلوم.

 وقد وزّع الباب الأول منها على ست مقدمات مطوّلة نسبياً، في حين وزعت الأبواب الخمسة الأخرى على فصول متفاوتة الأحجام تتراوح بين الصفحة الواحدة وهي معظمها وبين الثلاثين صفحة كما الفصل الخاص بأشعار العرب، وقد بلغ عدد الفصول التي اشتملت عليها الأبواب الخمسة 195 فصلاً، أحاطت بمجمل نظرية ابن خلدون في العمران أو علم الاجتماع.

ابن مجد عريق

ويسلط د. سعد الدين كليب الضوء على سيرة صاحب المقدّمة فمضى يقول: هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرميّ، ولد في تونس سنة 732 للهجرة لأسرة ذات مجد عريق في العلم والجاه والمال، وقد نشأ في مرحلة كانت فيها تونس أو المغرب الأدنى بسبب استقرارها النسبي موئلاً وملجأ للعلماء من شتى بقاع المغرب والأندلس.

وقد كانت عرضة لمختلف الاضطرابات والتقلبات السياسية والاجتماعية، وهو ما أتاح لابن خلدون التعلم على أيدي أولئك العلماء فضلاً عن العلم الذي أخذه عن أبيه فتعلم القراءات السبع وأجاد فيها وتفقه في المذهب المالكي وتعمّق في علوم العربية وفنونها، واهتم بالتاريخ اهتماماً خاصاً إضافة إلى اهتمامه بالفلسفة والمنطق وهو ما سوف يكون له أثره في سيرة الرجل سواء أكان ذلك في توليه القضاء عدة مرات أم في جلوسه لتعليم الفقه المالكي، أم في سلوكه السياسي البراغماتي الذي جعله يتقلب بين المناصب مستشاراً مقدَّراً، وبين المناطق لاجئاً أو متوارياً، حتى أوصلته الحال إلى مصر التي سوف تشهد الربع الأخير من حياته كما ستشهد وفاته في عام 806 للهجرة. 

محاولة الإحاطة بالنظرية

وبما أن الكتاب هو " نافذة على مقدّمة ابن خلدون" فذلك يعني أن ثمة مقتطفاً منها، وعن طريقة اشتغاله يقول د. كليب:  أما بالنسبة إلى اشتغالنا على هذا المقتطف من المقدّمة، فقد قام على محاولة الإحاطة بمجمل نظرية ابن خلدون في العمران أو علم الاجتماع، وهو أمر شديد الحساسية والدقة والحذر، وذلك أننا لسنا أمام أبواب وفصول متفرقة أو متآخية يمكن التخفف من بعضها دون إخلال ببعضها الآخر، أو دون إخلال بالمنحى العام لخطابها الكلّيّ، وإنما نحن أمام بنيان متدرج ومتماسك ومتشعب كأي نظرية علمية ذات مقدمات ومعطيات وتصورات ونتائج متواشجة بنيوياً، صحيح أن تعدد الجوانب أو الرؤوس في نظرية ابن خلدون يسمح بالاقتطاف، أو بتسليط الضوء على واحد منها دون التعرض لبقية الرؤوس، لكنه لن يستطيع بحال من الأحوال الإحاطة بالنظرية الكلية بنيةً وخطاباً، وبالعقلية العبقرية التي تقف وراءها، وهو ما هدفنا إليه في هذا الكتاب.

غير أن ما سمح لنا بالاقتطاف مع الحفاظ على كلية النظرية أن ابن خلدون يستفيض في بعض الأحداث التاريخية والجغرافية والتوضيحات الدينية والفقهية والمذهبية، أو يستفيض في استعراض بعض الجوانب، كالصنائع والعلوم، استعراضاً تفصيلياً أو يعيد القول في ما قاله سابقاً مع بعض الإضافات الجزئية، أو غير المهمة في بناء نظريته في العمران البشري، ومع ذلك لا ندّعي الإحاطة الكاملة أو عدم الوقوع في الإخلال النسبيّ، ولعل ما يشفع لنا ذلك إن وقع، أهمية تقديم تلك النظرية للقارئ الكريم مكثّفة وميّسرة في الوقت نفسه.

وقد قمنا في سبيل ذلك باقتطاف ما رأيناه مفصلياً في الأبواب الستة التي اشتملت عليها المقدمة بما في ذلك حديثه عن فضل علة التاريخ، ولكن بما أن قوام النظرية يكمن في البابين الثاني والثالث، فلم يكن بد من أن يكون لهما حضور قوي في هذا الكتاب لتأتي بقية الأبواب موسّعة للنظرية، ومكملة إياها، لكن من غير أن نستخدم تسمية الباب التي استخدمها ابن خلدون إذ استعضنا عنها بعنوان عريض استللناه من العناوين الموسّعة التي اتّصفت بها المقدمة، مع احتفاظنا بتسمية الفصول الفرعية، وعلى الرغم من أنا كنا نقتطف من الأبواب والفصول فإننا التزمنا بالترتيب العام التي وردت فيه بالكتاب الأصلي.

كما التزمنا بالإشارة إلى مواقع الحذف الذي تعرض له هذا الفصل أو ذاك بأن وضعنا  ثلاث نقاط بين قوسين (...) للحذف المحدود، وثلاث نقاط بين معقوفتين{…}  للحذف الموسع، ولم نتصرف بغير ذلك.

أخيراً تجدر الإشارة إلى أن د. كليب قد قام بتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبشرح المفردات وتصويب بعضها وشرح بعض التسميات الجغرافية والمصطلحات غير واضحة الدلالة في الحواشي، مما وجده ضرورة لشرحه، مع إضافة بعض التعليقات والتوضيحات لما ورد في المتن. وبذلك قد حقق نافذة على المقدّمة أعطت صورة لائقة عنها، وتسهم في إلقاء الضوء على واحد من أهم الموسوعيين من ذوي الاختصاص الدقيق، في تراثنا العربي القديم.