الجمعة 2 يناير 2026 / 21:34
مع تنصيب زهران ممداني عمدة لمدينة نيويورك تبدأ مرحلة اختبار مزدوجة: اختبار قدرة العمدة الجديد على الوفاء بوعوده الانتخابية، واختبار قدرة النخب السياسية في المدينة على الاعتراف بهذا الإنجاز، إن تحقق.
وفي مقال تحليلي، يستعيد الكاتب براخار شارما، محلل جيوسياسي، تجربة الولايات المتحدة في أفغانستان ليحذر من خطأ تكرار المقاييس نفسها التي قادت إلى سوء تقدير الواقع هناك، معتبراً أن الخطر لا يكمن في فشل ممداني بقدر ما يكمن في نجاحه وفق معايير لا تريد النخب رؤيتها.
نخب تراقب بأدوات خاطئة
وقال الكاتب إن النخب السياسية في نيويورك، تماماً كما فعلت المؤسسات الأمريكية في أفغانستان، باتت مهووسة بمقاييس شكلية للنجاح، لا تعكس حقيقة ما يجري على الأرض. وأضاف الكاتب أن هذه النخب لم تفشل في توقّع صعود ممداني بقدر ما رفضت تصديق المؤشرات الواضحة على ذلك، من قوة استطلاعات غير متوقعة، إلى زخم شعبي متصاعد ورسالة سياسية خرجت عن المألوف.
ممداني خلال تنصيبه عمدة لنيويورك: سأحكم كاشتراكي ديمقراطي - موقع 24أصبح زهران ممداني عمدة لمدينة نيويورك بداية من أمس الخميس، ليضطلع بواحدة من أصعب الوظائف في السياسة الأمريكية، متعهداً بإصلاح الحكومة لصالح الطبقة العاملة الكادحة في المدينة.
وأوضح أن المعلومات كانت متوافرة، لكن الاستعداد للاعتراف بدلالاتها كان غائباً، لأن ذلك كان سيهدد شبكات التمويل والتحالفات القائمة، خصوصاً مع كبار المانحين ودوائر العقار.
أفغانستان.. حين تكذب الأرقام
وتابع الكاتب أن هذه الظاهرة ليست جديدة عليه، إذ عايشها عن قرب خلال عمله في أفغانستان بين عامي 2006 و2016. وأضاف أن المشكلة لم تكن نقص البيانات، بل سوء استخدامها. فالتقارير أظهرت معدلات فرار سنوية بلغت 33% في صفوف الجيش الأفغاني، في حين استمرت الإحاطات الرسمية في الحديث عن جيش قوامه 352 ألف جندي، كثير منهم كانوا مجرد أسماء على الورق.
وأكد أن الخرائط التي كشفت تقدم طالبان أُخفيت، وأرقام الضحايا صُنفت سرية، فيما كان المسؤولون الأفغان يقدمون لواشنطن ما تريد سماعه، لأن التمويل كان مرتبطاً بمؤشرات أداء شكلية لا بالواقع الفعلي.
وأضاف الكاتب أن سقوط كابول عام 2021 لم يكن مفاجئاً إلا لمن تجاهل التحذيرات. فالإقرار بالفشل كان سيهدد مصالح وسمعة أطراف كثيرة، لذلك فضلت النخب التمسك بأرقام مطمئنة لا تعكس الحقيقة.
نتانياهو يخطط لزيارة نيويورك رغم تهديدات ممداني - موقع 24أعلنت عضوة مجلس مدينة بروكلين، إينا فيرنيكوف، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أبلغها بنيته زيارة نيويورك قريباً، وذلك بعد أسابيع من دعوتها له لزيارة المدينة في الأول من يناير (كانون الثاني)، تزامناً مع يوم تنصيب العمدة المنتخب زهران ممداني، وفقاً لما ذكرته صحيفة "نيويورك بوست".
وأشار الكاتب إلى أن النمط ذاته تكرر في نيويورك، حيث جرى التقليل من شأن حملة ممداني، ووصمها بالهامشية، إلى أن أصبح صعوده أمراً لا يمكن إنكاره، من دون مواجهة ما كشفه هذا الصعود من فجوة بين النخب والطبقة العاملة.
وأوضح أن ممداني أدرك جوهر الأزمة: أن النظام الاقتصادي والاجتماعي في نيويورك لم يعد يخدم غالبية السكان. فتكلفة السكن باتت استنزافية، والعمل المتعدد لم يعد يضمن الاستقرار، والحراك الاجتماعي تحول إلى وهم لمن لا يملكون ثروة موروثة أو موطئ قدم في عوالم التكنولوجيا والمال.
وأضاف أن هذه الحقائق لم تكن خفية، لكنها كانت غير مريحة لمن تعتمد قوتهم على استمرار الترتيبات القائمة.
تزييف التفضيلات.. من كابول إلى نيويورك
وتابع الكاتب مستعيناً بمفهوم "تزييف التفضيلات" لعالم السياسة تيمور كوران، موضحاً أن الأفراد في ظل الضغط الاجتماعي يميلون إلى إظهار ولاء أو قناعات لا يؤمنون بها فعلياً. ففي أفغانستان، ادعى الجنود الولاء، وزعم المسؤولون نجاح البرامج، وشارك المواطنون في طقوس ديمقراطية فقدوا الثقة بها. وفي نيويورك، عملت النخب بالمنطق نفسه، حيث كوفئ التوافق، وعوقب الاعتراض.
كلفة المعيشة أوصلت ممداني إلى السلطة.. والصحة العامة مفتاح ازدهار نيويورك - موقع 24قال ثواي دي نغو، أستاذ الصحة العامة في جامعة كولومبيا، إن فوز زهران ممداني في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك لم يكن مجرد تعبير عن غضب الناخبين من غلاء المعيشة، بل انعكاساً لوعي أعمق بالصلة العضوية بين القدرة على تحمّل التكاليف، والصحة العامة، وكرامة العيش في مدينة بلغت حدودها القصوى.
كيف يُقاس نجاح ممداني؟
وقال الكاتب إن النخبة ستقيس أداء ممداني عبر أدوات تقليدية مثل، الاستطلاعات، ورضا المانحين، والتغطية الإعلامية، وعلاقته بالمؤسسات الرسمية. وأضاف أن هذه المقاييس ليست عديمة الفائدة، لكنها غير كافية، لأنها تقيس مدى إتقانه اللعبة السياسية، لا مدى تحقيقه ما طلبه الناخبون.
وتابع أن المقاييس الأجدى يجب أن تركز على: الثقة لا الشعبية: هل يشعر المواطن بأن الحكومة تفهم حياته اليومية؟ والوصول لا التخصيص: هل يستطيع المعلمون والممرضون العيش في المدينة فعلياً؟ والاستجابة لا الإجراءات: هل يتغير سلوك السلطة استجابة لصوت الناس؟ والخدمة المنجزة لا المُعلنة: هل تصل البرامج إلى الأحياء أم تبقى عناوين صحفية؟
وخلص الكاتب إلى أن الخطر الحقيقي على نيويورك ليس فشل ممداني، بل نجاحه وفق معايير تمس حياة الناس فعلياً، في وقت تعلن فيه النخب فشله اعتماداً على مؤشرات شكلية، وحذر من أن اتساع الفجوة بين الواقع والمقاييس قد يمهد لصعود موجة احتجاجية أكثر خطورة في المستقبل، لأن النخب، المنشغلة بقياس السهل لا المهم، قد لا ترى القادم إلا بعد فوات الأوان.