الخميس 8 يناير 2026 / 18:33
لم تتغيّر أساليب التعاطي الأمريكي مع قادة حكومات دول أمريكا اللاتينية منذ العام 1898، فقد أطاحت بنحو 40 حكومة منها، وما كان لها أن تكرر فعلها ذاك لولا الصمت العالمي المطبق من دول العالم الأخرى، نظراً لاستفحال قوتها في جميع المجالات، وخاصة في المجال العسكري.
وخلال السنوات الـ128 الماضية كانت المصالح المتضررة نتيجة تلك الانقلابات والتدخلات الأمريكية محدودة، ويمكن تعويضها بمصالح أخرى في مناطق متفرقة من مناطق النفوذ التي تتواجد فيها الولايات المتحدة الأمريكية، أو تشترك فيها مع غيرها، لكن الوضع اختلف اليوم، فقد ظهرت قوى دولية أخرى منافسة، ومنها الصين التي تحتل المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي بعد الولايات المتحدة.
على خلفية ذلك يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه اليوم، بعد اختطافه للرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو" ـ رغم أنه يسير على نهج من سبقوه ـ في مواجهة تتعلق برفض أمريكي داخلي محدود ـ لا يزال في بدايته ـ ورفض خارجي من فنزويلا ـ الدولة والجيش والشعب ـ ومن قوى دولية أخرى ذات علاقات جوارية، وأخرى ترتبط بمصالح اقتصادية مع كراكاس.
فعلى مستوى الجبهة الداخلية ظهرت أساليب متعددة لرفض الصلف الأمريكي، منها دعم الجيش ومؤسسات الدولة، إضافة إلى الدعم المؤسساتي من البرلمان، لدرجة جعلت رئيسه يعد بعودة مادورو، غير مبالٍ بمثوله أمام المحاكم الأمريكية، ولا بحظر الطيران ـ بما فيه الطيران المدني الذي سيستمر إلى الثاني من فبراير (شباط) المقبل ـ الذي فرضه ترامب على بلاده، ولا حتى بالتهديد العسكري ضد أي محاولة لرفض السيطرة الأمريكية.
وتُبدي عناصر الجبهة الداخلية رفضاً شديداً لمحاولة الولايات المتحدة الأمريكية المعلنة للسيطرة على ثروتها الوطنية من النفط والغاز، حيث تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يعادل 17 إلى 20% من الاحتياطي العالمي، لن ينضب إلا بعد مئة سنة ـ كما ذكر الرئيس السابق شافيز في أحد تصريحاته ـ إلى جانب احتياطيات غاز طبيعي تتجاوز 200 تريليون قدم مكعب، وموارد معدنية استراتيجية، وهي بذلك تسعى للمحافظة على سياسة الرئيس الراحل هوغو شافيز وخلفه الرئيس المختطف مادورو.
في السياق ذاته أعلن الحلفاء الإقليميون لفنزويلا، خاصة كوبا ونيكاراغوا اللتين اعتمدتا على دعمها السياسي والاقتصادي، رفضهما لاختطاف مادورو، وكذلك فعلت غيرهما من دول أمريكا اللاتينية والجنوبية، التي ترى نفسها في خطر، خاصة بعد التهديدات الأمريكية، ويبدو أنها لن تقبل بتكرار تجربة إسقاط رئيس بنما مانويل نورييغا عام 1989، ومحاكمته من طرف الولايات المتحدة.
وهناك دول أخرى خارج الفضاء الجغرافي لفنزويلا لها مصالح في فنزويلا، وتربطها بها علاقات شراكة مباشرة، وعلى رأسها الصين، بحيث تُعدّ المشتري الرئيسي للنفط الفنزويلي، بالرغم من أن كميات النفط الفنزويلية المتدفقة إليها مثلت 4% فقط من وارداتها النفطية العام الماضي، إلا أنها ترى أهمية استراتيجية في هذه الكمية، حيث توفر لها فنزويلا نوعاً فريداً من الخام الثقيل، شديد الكثافة وعالي الكبريت، يُستخدم في إنتاج البيتومين، الذي يُشكل عنصراً جوهرياً في الإنشاء وبناء الطرق.
من ناحية أخرى، يُباع النفط الفنزويلي في الصين بأسعار منخفضة، لذلك يحظى برواج لدى شركات التكرير المستقلة في الصين، إذ تُنقل الشحنات عبر ما يُعرف بـ"سفن الأشباح"، وتباع لمصافٍ مستقلة صغيرة يُطلق عليها اسم "أباريق الشاي" في مقاطعة "شاندونغ"، الأمر الذي سيجعل من سيطرة الولايات المتحدة على النفط الفنزويلي حرباً اقتصادية على الصين.. فهل بدأت؟ وإلى أين سننتهي؟ لننتظر، فالصدام بين القوتين لم يعد بعيداً.