الثلاثاء 10 فبراير 2026 / 09:33

الحوار يعود إلى الإقليم

د. خالد راشد الزيودي - الخليج الإماراتية

في السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى دائماً من القمم الصاخبة ولا من الاتفاقات الموقَّعة تحت عدسات الكاميرات، بل كثيراً ما تولد بهدوء، في غرف مغلقة، وعلى طاولات تفاوض لا يعلو فوقها سوى صوت الحسابات الدقيقة. إشارات صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها ملامح تغيير محتمل في اتجاهات كانت تبدو حتى وقت قريب مغلقة على التصعيد والمواجهة.

من هذا المدخل، تكتسب جولة المفاوضات الإيرانية–الأمريكية التي استضافتها العاصمة العُمانية مسقط أهميتها السياسية. فهي ليست مجرد لقاء عابر أو اختبار نوايا تقليدي، بل مؤشر على تحوّل محسوب في طريقة إدارة واحدة من أعقد أزمات الإقليم وأكثرها تشابكاً. فحين تعود طهران وواشنطن إلى طاولة التفاوض، ولو عبر وساطة، بعد مراحل من التوتر وارتفاع سقوف الخطاب، فإن ذلك يعني أن منطق المواجهة لم يعد الخيار المفضل، وأن كلفة التصعيد باتت أوضح من أن تُدار بلغة التهديد وحدها.

اللافت في هذه الجولة ليس ما قيل علناً فقط، بل ما لم يُقَل، وما عكسته الأجواء من استعداد متبادل لاختبار مسار مختلف. فالتصريحات الإيجابية التي رافقت المحادثات، وتوصيفها بأنها «جادة ومفيدة»، لا يمكن فصلها عن إدراك متزايد بأن الإقليم يقف عند مفترق طرق حقيقي: إما استمرار دوامة الأزمات، أو فتح نافذة، ولو ضيقة، أمام حلول سياسية أقل كلفة وأكثر قابلية للاستمرار.

أهمية هذه الجولة لا تنبع فقط من انعقادها، بل من توقيتها والسياق الذي جاءت فيه. فعودة طهران وواشنطن إلى طاولة التفاوض، ولو بشكل غير مباشر، بعد مرحلة اتسمت بارتفاع منسوب التوتر وتبادل الرسائل الحادة، تعكس إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأن خيار المواجهة لم يعد مجدياً، وأن كلفته السياسية والأمنية والاقتصادية تفوق أي مكاسب محتملة. التصريحات الصادرة عن الجانبين، والتي وصفت المحادثات بأنها «جيدة جداً» و«إيجابية للغاية»، إضافة إلى توصيف الوسيط العُماني للجولة بأنها «جادة ومفيدة»، تحمل في طياتها رسائل تطمين تتجاوز حدود التصريحات البروتوكولية.

ورغم أن هذه المحادثات لم تكن مباشرة، فإن ذلك لا يقلل من أهميتها. في العمل الدبلوماسي، غالباً ما تُستخدم الوساطات كمساحة آمنة لتبادل وجهات النظر، وكسر الجمود، وتهيئة الأرضية لخطوات لاحقة أكثر وضوحاً. الدور العُماني في هذا السياق يعكس خبرة تراكمية في إدارة قنوات التواصل الهادئة، بعيداً عن الضغوط الإعلامية، وهو ما أتاح للأطراف التعبير عن مواقفها من دون أن تُغلق أبواب العودة أو تُربك حساباتها السياسية.

إقليمياً، حظيت جولة مسقط بترحيب واضح، عكس رغبة عامة في تحييد المنطقة عن سيناريوهات التصعيد. وفي هذا الإطار، جاء موقف دولة الإمارات العربية المتحدة منسجماً مع نهجها الثابت الداعي إلى تغليب الحوار، وخفض التوتر، واحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، باعتبار ذلك المسار الأكثر عقلانية لمعالجة الأزمات. هذا الموقف لا يُقرأ بوصفه رد فعل آنياً، بل امتداد لسياسة متوازنة ترى في الاستقرار الإقليمي ركيزة أساسية للأمن والتنمية، وتؤمن بأن الجميع يكسب من السلام، بينما لا تفرز الحروب سوى الخسائر.

القراءة الأوسع لما جرى في مسقط تشير إلى تحوّل تدريجي في المزاج الإقليمي. فشعوب المنطقة، التي دفعت ثمناً باهظاً للصراعات الممتدة، باتت أكثر تطلعاً إلى حلول سياسية تُخرجها من دوائر القلق وعدم اليقين. كما أن البيئة الدولية الحالية، المثقلة بالحروب والأزمات، تجعل من فتح جبهات جديدة مغامرة غير محسوبة العواقب، ليس فقط على الأطراف المعنية، بل على الاستقرار العالمي ككل.

مع ذلك، لا يمكن التعامل مع هذه الجولة بمنطق التفاؤل المفرط، فالمسار التفاوضي لا يزال في مراحله الأولى، والملفات الخلافية، وعلى رأسها الملف النووي، شديدة التعقيد، وتحتاج إلى وقت وإرادة سياسية صادقة. أي تقدم محتمل سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف على تحصين الحوار من الضغوط، وتغليب المصالح طويلة الأمد على الحسابات الآنية، في ظل بيئة إقليمية لا تزال محفوفة بالتحديات.

ورغم هذه التحفظات، فإن مجرد عودة لغة الحوار في هذا التوقيت تُعد مؤشراً إيجابياً. فالتجارب السابقة أثبتت أن الأزمات، مهما طال أمدها، لا تُحل بالقوة أو بالتهديد، بل بتراكم خطوات تفاوضية تبني الثقة تدريجياً. وإذا ما نجحت جولات مقبلة في البناء على ما تحقق في مسقط، فقد تتحول هذه الجولة إلى محطة تأسيسية لمسار أكثر استقراراً.

في المحصلة، لا تعني هذه الجولة التفاوضية أن الحل بات قريباً أو مضموناً، لكنها تعني بوضوح أن خيار الحرب لم يعد المسار المفضل، وأن منطق التصعيد خسر موقعه المتقدم، ولو مؤقتاً. وفي منطقة أنهكتها الصراعات وتراكمت فيها كلفة المغامرات غير المحسوبة، فإن مجرد التراجع خطوة عن حافة المواجهة يُعد مكسباً سياسياً لا يُستهان به، واختباراً حقيقياً لجدية الأطراف في إدارة خلافاتها بوسائل أقل كلفة وأكثر عقلانية.