الجمعة 20 فبراير 2026 / 15:10

لماذا لا تريد شركات النفط الكبرى المجازفة في فنزويلا؟

في مطلع عام 2026، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، تعهّد بإطلاق العنان لثروات فنزويلا النفطية، داعياً الشركات إلى استثمار نحو 100 مليار دولار لاستغلالها. غير أن استجابة شركات النفط الكبرى جاءت باردة، بل رافضة في بعض الأحيان.

وفي مقال تحليلي للكاتب داميان توبين، تتكشف فجوة عميقة بين الخطاب السياسي الذي يراهن على النفط بوصفه فرصة مغرية، وبين منطق الصناعة الذي تحكمه حسابات المخاطر والعوائد طويلة الأجل.

قراءة خاطئة لطبيعة "النفط الكبير"

ورأى داميان توبين، محاضر في إدارة الأعمال الدولية في جامعة كوليدج كورك في أيرلندا، ومتخصص في شؤون الصناعة النفطية والاستثمار الدولي، في مقاله بموقع "آسيا تايمز"، أن ترامب ربما أساء فهم طبيعة عمل شركات النفط الكبرى، متصوراً إياها مغامِرة بطبعها، مستعدة لاقتناص الفرص وسط الضباب الجيوسياسي. وأضاف أن هذه الصورة، وإن كانت صحيحة في بدايات القرن العشرين، لم تعد تنطبق على واقع الصناعة في القرن الحادي والعشرين.

وزير أمريكي: فنزويلا بإمكانها زيادة إنتاج النفط بحلول نهاية العام - موقع 24قال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، الثلاثاء، إن فنزويلا بإمكانها إضافة "عدة مئات الآلاف من براميل النفط يومياً" إلى إنتاجها بحلول نهاية العام.

وأوضح أن شركات النفط الكبرى في عام 2026 لا تفضل عدم اليقين، بل تبحث عن مسارات ربح واضحة ومستقرة، مثل الاستثمار في البلاستيك والبتروكيماويات، بدل الانخراط في بيئات سياسية واقتصادية شديدة التقلب كفنزويلا.

وقد عبّرت شركة إكسون موبيل عن هذا الموقف حين وصفت فنزويلا بأنها "غير قابلة للاستثمار"، ما أثار انتقاداً مباشراً من ترامب.

أين تستثمر شركات النفط فعلياً؟

استناداً إلى أبحاثه حول الصناعة النفطية الدولية، أوضح الكاتب أن الاستراتيجية السائدة لدى الشركات الكبرى تقوم على الإنتاج طويل الأمد والمناطق منخفضة المخاطر.

وأضاف أن تركيز النفط الكبير ينصب اليوم على محورين أساسيين: النفط الصخري في الولايات المتحدة، لما يوفره من تكاليف استخراج منخفضة. والتوسع في صناعة البتروكيماويات في آسيا، حيث يشكل نمو التصنيع سوقاً واعدة للبلاستيك.

تحذيرت من سيناريو "بيع أمريكا".. كيف يتم تمويل "مغامرات" ترامب؟ - موقع 24تثير "مغامرات" الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، العسكرية، تساؤلات حول التكلفة التي يجب تغطيتها نتيجة العمليات العسكرية المتلاحقة التي أعلنها أو التي يهدد بتنفيذها.

وتابع أن هذا التوجه يعكس تحولاً في أنماط الطلب، إذ يتراجع الطلب على وقود النقل تدريجياً، مقابل تصاعد الطلب على البلاستيك والمنتجات الكيماوية، ما يوفر للشركات مساراً ربحياً أكثر وضوحاً واستدامة.

فنزويلا: ثروة نفطية بلا قدرة تكريرية

وأشار الكاتب إلى أن امتلاك احتياطيات ضخمة لا يعني بالضرورة قدرة على الاستفادة منها اقتصادياً. فليس كل النفط متساوياً من حيث الجودة أو سهولة التكرير.

وأوضح الكاتب أن فنزويلا، رغم إنتاجها كميات من النفط الخام تفوق استهلاكها المحلي، تضطر إلى استيراد الوقود والبتروكيماويات بسبب ضعف قدراتها التكريرية. وتعتمد عملية التكرير الحديثة على تقنيات متقدمة وملكية فكرية تسيطر عليها شركات دولية.

وأضاف الكاتب أن غياب هذه التكنولوجيا يجعل النفط الفنزويلي أقل جاذبية للمصافي العالمية، ما يضعف قيمته السوقية ويزيد كلفة تطويره.

من يتحمل المخاطر؟

ورأى الكاتب أن شركات النفط قد تعود إلى الاستثمار في فنزويلا إذا قدمت لها الحكومات ضمانات كافية. غير أن مثل هذه الضمانات تعني عملياً نقل المخاطر إلى دافعي الضرائب.

شركة أمريكية تسعى لاستيراد 6.5 مليون برميل من النفط الفنزويلي - موقع 24تسعى شركة فاليرو إنرجي الأمريكية إلى شراء ما يصل إلى 6.5 مليون برميل من النفط الخام الفنزويلي في مارس (آذار)، مما يجعلها أكبر شركة تكرير أجنبية لنفط البلد العضو في منظمة أوبك منذ إلقاء الولايات المتحدة القبض على الرئيس نيكولاس مادورو.

وأكد أن الموارد العامة يمكن أن توجه بدلاً من ذلك إلى تطوير الطاقة النظيفة، بدل دعم مشاريع قد تعزز إنتاج النفط والبلاستيك عاليي الانبعاثات.

وأضاف أن المشكلة مع شركات النفط ليست في أنها تجازف أكثر من اللازم، بل في أنها تجازف أقل مما ينبغي في القطاعات التي تحتاج إلى استثمار حقيقي، كقطاع الطاقة المتجددة.

انسحاب من الأخضر وتوسع في الملوث

وأوضح الكاتب أن تراجع استثمارات شركات النفط في الطاقة الخضراء تزامن مع توسع كبير في مشاريع البلاستيك والبتروكيماويات، وهي قطاعات ذات انبعاثات عالية وتأثيرات بيئية جسيمة.

وأشار إلى أن معالجة هذا الخلل تتطلب تنسيقاً دولياً قوياً بين الدول، يهدف إلى رفع كلفة إنتاج النفط، وتقييد بناء البنية التحتية الجديدة المرتبطة به، بدل محاولة تحرير إمدادات دولة بعينها.

بين الوعد السياسي ومنطق السوق

تكشف قضية فنزويلا عن حقيقة أساسية: شركات النفط الكبرى لا تتحرك بدافع الشعارات السياسية أو الطموحات الجيوسياسية، بل وفق حسابات دقيقة للمخاطر والعوائد طويلة الأمد. وفي عالم يتجه تدريجياً نحو إعادة تشكيل منظومة الطاقة، لم تعد الثروة النفطية وحدها كافية لجذب الاستثمار.

وخلص الكاتب إلى أن التحدي الحقيقي أمام الحكومات ليس إقناع شركات النفط بالمغامرة، بل إعادة توجيه الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية ومستدامة تخدم المصلحة العامة، بدل تكريس اقتصاد يقوم على مزيد من النفط والبلاستيك.