كانت الليلة التي قرر فيها مجلس وزراء بنيامين نتانياهو، إقالة رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، حتى بمعايير السياسة الإسرائيلية المضطربة، كما يشير جيمس شوتر في تقريره من القدس لصحيفة "فايننشال تايمز".
وحسب الصحيفة، سارع المتظاهرون الغاضبون من القرار، إلى إغلاق الطرق القريبة من مكتب رئيس الوزراء في القدس مستخدمين سياراتهم، بينما لجأت الشرطة إلى استخدام مطرقة وحجر لتحطيم نوافذ تلك السيارات.
وأما في الداخل، فقد انشغل نتانياهو وحلفاؤه في الائتلاف اليميني بحملة تشويه شخصية ضد رونين بار، رئيس الشاباك، تم تسريبها بشكل شبه فوري إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية، قبل أن يتم التصويت فجراً على قرار الإقالة.
شبهات وانقسامات
لكن ما جعل هذا القرار صادماً بحق، لم يكن مجرد كونه أول مرة يتم فيها عزل رئيس جهاز الشاباك بقرار من مجلس الوزراء، بل توقيته أيضاً، كما يرى شوتر.
فالجهاز كان يحقق في شبهات بتورط مساعدي نتانياهو في صفقات مالية مشبوهة، وجاء القرار بعد 3 أيام فقط من خرق إسرائيل لهدنة دامت شهرين مع حركة حماس، وذلك في 18 مارس (آذار) الماضي.
ومع استئناف القوات الإسرائيلية هجومها في غزة، تحول مجلس الوزراء أيضاً لاستهداف أحد أهم ركائز المنظومة الأمنية في إسرائيل، مما عمّق الانقسامات المريرة التي كانت قد هزت المجتمع الإسرائيلي قبل اندلاع الحرب.

وأعرب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، عن قلقه العميق إزاء ما يجري، ونشر مقطع فيديو ينتقد فيه الحكومة بشدة، واصفاً الأمر بأنه "غير معقول أن نرسل أبناءنا إلى الجبهة، في الوقت الذي تتخذ فيه الحكومة خطوات مثيرة للجدل، تعمق الانقسام داخل الشعب".
لكن، وبصورة ما، فإن تزامن هذه الأحداث كان انعكاساً لتحول أعمق في السياسة الإسرائيلية. فبعد عام قضاه في موقف دفاعي عقب الهجوم المدمر الذي نفذته حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بدأ نتانياهو في الآونة الأخيرة اعتماد نهج هجومي على الصعيدين الداخلي والخارجي، في تحول يراه الدبلوماسيون والمحللون تحوّلاً له آثار بعيدة المدى على إسرائيل والمنطقة بأسرها.
النووي الإيراني يضع إسرائيل أمام "مفترق طرق" - موقع 24ذكرت القناة الـ12 الإسرائيلية، أن إسرائيل عند مفترق طرق على خلفية المفاوضات الأمريكية مع إيران، موضحة أنها مهتمة بإحباط المشروع النووي العسكري الإيراني، وتخشى من احتمال ألا يحمي الاتفاق النووي مصالحها في المنطقة.
عدوانية نتانياهو
ومدفوعاً بعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ومشحوناً بتداعيات ما جرى في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تبنى نتانياهو وحكومته نهجاً عسكرياً فائق العدوانية، تفاخر به رئيس الوزراء الشهر الماضي، وادعى أنه "يغيّر وجه الشرق الأوسط".
فمنذ مطلع العام، قامت القوات الإسرائيلية بالاستيلاء على أراضٍ من جيرانها، ونفذت ضربات بعيدة المدى خارج حدودها. والأخطر من ذلك، أن نتانياهو بات يمارس ضغوطاً على ترامب لدعم ضربة عسكرية ضد إيران، بحسب التقرير.

وفي الداخل، عادت حكومة نتانياهو، والتي يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، إلى خوض معركة مريرة مع القضاء وأركان الدولة، وهي المعركة ذاتها التي سببت أشهراً من الاحتجاجات، وأكبر أزمة داخلية شهدتها البلاد قبل اندلاع الحرب.
وعودة هذا الصراع كما يقول الكاتب، أثارت مخاوف من انزلاق إسرائيل نحو أزمة دستورية حقيقية. لكن، بالنسبة لكثيرين، فإن عودة الانقسامات العميقة حول طبيعة الدولة الإسرائيلية ذاتها، هو الأمر الأكثر إثارة للقلق.

أزمة وجودية
ويقول عامي أيالون، الرئيس السابق لجهاز الشاباك خلال الولاية الأولى لنتانياهو: "ما نواجهه اليوم هو أزمة وجودية. هناك أزمة هوية تضرب كامل المجتمع الإسرائيلي. ولا أستطيع أن أتخيل كيف ستكون إسرائيل بعد 4 سنوات".
وحتى الآن، كانت الآثار الكبرى لنهج الحكومة الهجومي واضحة خارج حدود إسرائيل. فقد كثفت القوات الإسرائيلية عملياتها في الضفة الغربية، واستأنفت الحرب في غزة، مما أدى إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين مرة أخرى، في محاولة لإجبار حماس على الاستسلام وإطلاق سراح 59 رهينة ما زالت تحتجزهم في القطاع.

كما قامت إسرائيل بضم أراضٍ من جيرانها الشماليين، في خطوات أثارت استنكاراً دولياً. ففي لبنان، حيث خاضت حرباً مدمرة مع حزب الله العام الماضي، أقامت القوات الإسرائيلية نقاطاً عسكرية في 5 مواقع قريبة من الحدود الفعلية بين البلدين، وتعهدت بالبقاء هناك إلى أجل غير مسمى.
وأما في سوريا، فقد نفذت سلسلة من الغارات الجوية الخاطفة لتدمير القدرات العسكرية للنظام السوري، وأرسلت قوات إلى منطقة منزوعة السلاح تخضع لرقابة الأمم المتحدة تمتد على مساحة 235 كيلومتراً مربعاً. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أعلن نتانياهو أن أراضٍ تقع على بعد 50 كيلومتراً داخل سوريا يجب أن تصبح جزءاً من "منطقة نفوذ" منزوعة السلاح.

اضطرابات مجتمعية
وفي المقابل، تسببت تحركات الحكومة الداخلية في اضطرابات شديدة داخل المجتمع الإسرائيلي. فقبل هجوم حماس، كانت إسرائيل غارقة في صراع داخلي حول محاولة الحكومة تقليص صلاحيات القضاء، وهو صراع تحول بسرعة إلى معركة مريرة على هوية الدولة، واصطف فيه نتانياهو وحلفاؤه من القوميين والمتدينين المتشددين في مواجهة التيار العلماني والليبرالي في البلاد.
وبعدما جرى تعليق هذا الصراع في أعقاب الهجوم، عادت الحكومة الشهر الماضي لتأجيج التوترات من جديد، بخطوات استفزازية دفعت شركات إلى التهديد بالإضراب وأطلقت موجة من أكبر الاحتجاجات منذ اندلاع الحرب.

ففي غضون أسبوع واحد فقط، صوّتت الحكومة على إقالة رونين بار، وبدأت الإجراءات لعزل المستشارة القضائية للحكومة، غالي باهاراف-ميارا، وهي أرفع مسؤول قانوني في البلاد وأحد أبرز الضوابط على السلطة التنفيذية، كما أقرت تعديلات تتيح للسياسيين وحدهم من دون إشراك القضاة، تعيين أعضاء المحكمة العليا.
ودافع نتانياهو وحلفاؤه عن هذه الخطوات، باعتبارها جزءاً من حملة لكبح جماح "الدولة العميقة" من البيروقراطيين والقضاة، الذين يسعون لإفشال أجندة الحكومة.
تضارب مصالح
وأكدوا أن رئيس الوزراء فقد ثقته في بار، بعد الإخفاق الأمني الكارثي في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وأن المستشارة القضائية عرقلت باستمرار مساعي الائتلاف ما جعل "التعاون الفعّال" مستحيلاً.
ولكن المعارضين رأوا في تلك الخطوات، محاولة متكاملة لتقويض ما تبقى من منظومة الضوابط والتوازنات في النظام السياسي الإسرائيلي، واعتبروا محاولات تهميش بار وباهاراف-ميارا التي تشرف على محاكمة فساد نتانياهو تضارب مصالح صارخ. وقد أصدرت المحكمة العليا قراراً بتجميد إقالة بار حتى إشعار آخر.
ورغم انتقادات الوزراء الحادة لموقف المحكمة، إلا أنهم حتى الآن امتنعوا عن تجاهله، وهي خطوة إن حدثت ستدفع البلاد إلى أزمة دستورية شاملة.
غير أن خبراء القانون الدستوري يحذرون، من أن هناك ملفات أخرى مثل محاولة عزل المستشارة القضائية قد تثير أزمة مماثلة. تقول سوزي نافوت، أستاذة القانون الدستوري ونائبة رئيس معهد الديمقراطية الإسرائيلي: "هذه ملفات قابلة للانفجار. وسنرى إن كان بالإمكان نزع فتيلها".
ويرى البعض أن ما هو على المحك يتجاوز السياسة اليومية، ليصل إلى جوهر الدولة نفسها: هل ستبقى إسرائيل على نظامها الحالي ذي التوازنات الضعيفة؟ أم ستنتصر رؤية حلفاء نتانياهو لدولة بسلطة تنفيذية مطلقة لا تحدها مؤسسات رقابية؟
ويقول أيالون: "المسألة لا تتعلق باليمين واليسار، بل بمفهومي اليهودية والديمقراطية. كثير من داعمي الحكومة يرون أن الديمقراطية تعني فقط صوت الأغلبية، ولا يهتمون بحقوق الإنسان أو حقوق الأقليات... وهذه هي الأزمة الكبرى التي نواجهها".