تتحول غرف الساونا التقليدية من مساحات للصمت المطبق إلى مسارح تنبض بالحياة، حيث تبرز ظاهرة "أوفغوس" (Aufguss) كأحد أهم اتجاهات الرفاهية العالمية لهذا العام. 

لم تعد التجربة تقتصر على مجرد الجلوس في حرارة مرتفعة، بل باتت عرضاً حسياً متكاملاً يدمج بين الموسيقى الصاخبة، والمؤثرات الضوئية، وحركات استعراضية مدروسة، مما يجذب الباحثين عن تجارب غير تقليدية تجمع بين الاسترخاء الجسدي والتفاعل الجماعي.

طقس ألماني عمره قرون يعود بشكل مختلف

يدخل الزائر إلى غرفة ساخنة، يسود فيها الصمت لثوانٍ قليلة، ثم تبدأ الأمور في التحول، حيث تتصاعد الروائح من حجارة مشتعلة، تنبعث الموسيقى، وتتحرك أيدي "أوفغوس ماستر" بإيقاع منضبط، وهو يوزّع موجات البخار المعطّر على الجالسين في انسجام شبه احتفالي.

هذا هو "أوفغوس"، أحد أعرق طقوس الساونا الألمانية، الذي يعود اليوم بصياغة جديدة تجمع بين الأداء الحسي والتجربة الجماعية.

تُحيل الكلمة في أصلها الألماني إلى معنى "النقع" أو "التسريب"، وتصف تاريخياً فعل "سكب الماء المعطّر" على الحجارة الساخنة لتجديد هواء غرفة الساونا ورفع مستوى الرطوبة فيها، بيد أن الصورة اليوم تجاوزت هذا الوصف بمراحل.

من يقود الجلسة؟

يتولى قيادة الجلسة شخص يُعرف بـ"أوفغوس ماستر"، وهو محترف مدرّب على أداء روتين مرتّب مسبقاً يشمل توظيف الزيوت العطرية وكرات الثلج المنقوعة وحركات المنشفة الإيقاعية.

 كل ذلك على خلفية موسيقية قد تتراوح بين التأمل والصخب، وتستمر الجلسة نحو 10 إلى 15 دقيقة، تعقبها عادةً جلسة تبريد أو استراحة هادئة.

تقليد عمره آلاف السنين

لا تُولد طقوس الساونا من فراغ، حيث تمتد جذور التطهّر بالحرارة والبخار عبر حضارات متعاقبة، من حمامات البخار الفنلندية وحمامات روما إلى الحمام التركي والأونسن الياباني والبانيا الروسية. 

وكما توثّق الكاتبة إيما أوكيلي في كتابها "الساونا - قوة الحرارة العميقة"، فإن كل ثقافة عبر التاريخ عرفت شكلاً من أشكال التطهير بالعرق، من الحمام العثماني إلى الـ"تيمازكال" المايا، بحسب موقع "wallpaper".

عندما تصبح الساونا بطولة عالمية

استضافت إيطاليا عام 2025 بطولة عالمية للأوفغوس، جمعت منافسين من مختلف أنحاء العالم، حيث تحوّل أسياد الساونا إلى فنانين أداء داخل غرف البخار، وجلس المتفرجون في حرارة شديدة يتابعون عروضاً كاملة الإخراج. 

وفي لندن، استضاف مجمع "آرك" بطولة بريطانية مدتها يومان في مايو (أيار) 2025، شهدت أكثر من 300 مشارك. 

وأقر مؤسس الحدث بأن المشاهد بمجرد انخراطه في الجو العام يتخلى عن تفكيره النقدي وينساب مع تجربة جماعية غير مألوفة. 

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Leila Najafi, Luxury Travel Expert (@leilaslist)

أثر إيجابي على السياحة الصحية

يرى خبراء قطاع السفر أن تجارب كهذه قد ترتقي لتصبح دافعاً حقيقياً للسفر وليس مجرد إضافة ترفيهية على هامش الرحلة. 

ووفق تقييمات متخصصة في هذا القطاع، فإن "أوفغوس" يمتلك قدرة على تعزيز جاذبية الوجهات السياحية خلال الـ12 إلى 24 شهراً المقبلة، في ظل نمو متسارع لسياحة العافية حول العالم، لا سيما في بالي وتايلاند وعدد من الأسواق الأوروبية، وفقاً لـ"indiatoday".

يكمن الجواب في نظرية علم الاجتماع، حيث وصف العالم الفرنسي إيميل دوركهايم ظاهرة "الجماعية الفوّارة"، تلك الحالة التي يتصاعد فيها الشعور الجماعي نتيجة تجربة مشتركة. 

وتُقيم باحثة علم النفس الدكتورة مارثا نيوسون من جامعة غرينتش دراسات على سلوك المشاركين قبل جلسات الأوفغوس وبعدها، بهدف تتبّع تأثير التجربة الجماعية على أنماط التواصل الإنساني وتعزيز الانتماء الاجتماعي.

حين تجتمع الحرارة والرائحة والموسيقى والجسد الإنساني في فضاء واحد، يحدث شيء ما يصعب وصفه بكلمة واحدة، وهذا تحديداً ما يجعل الأوفغوس أكثر من مجرد ساونا.