لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تجريبية في كواليس صناعة الأزياء، بل أصبح قوة دافعة تعيد رسم ملامح الوظائف والمهارات ونماذج العمل بوتيرة غير مسبوقة في عالم الموضة والأناقة.

ووفقاً لتقرير حالة الموضة 2026 الصادر عن "The Business of Fashion"، فإن الصناعة تقف على أعتاب تحوّل عميق قد يغيّر شكل القوى العاملة بحلول نهاية العقد الجاري.

30% من العمل قابل للأتمتة

تشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2030 يمكن أتمتة نحو 30% من وقت الموظفين في أوروبا والولايات المتحدة بفضل الذكاء الاصطناعي التوليدي وتقنيات الأتمتة، كما قد يضطر ما يصل إلى 40% من العاملين في الدول المتقدمة إلى إعادة تأهيل أنفسهم أو الانتقال إلى أدوار جديدة نتيجة هذا التحول التكنولوجي.

ورغم أن 92% من المؤسسات تعلن نيتها زيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن 1% فقط تصف تطبيقاتها بأنها "ناضجة"، فيما لا تزال معظم الشركات في مرحلة التجربة، تختبر حلولاً معزولة دون إعادة تصميم جذرية لعملياتها.

مكاسب إنتاجية تتجاوز 30%

التقرير يتوقع مكاسب إنتاجية تتجاوز 30% خلال السنوات الخمس المقبلة بفضل الأتمتة، وفي قطاع الأزياء تحديداً، بدأت بعض العلامات في جني الثمار مبكراً، فعلى سبيل المثال، تستخدم "Zalando" الذكاء الاصطناعي التوليدي لتسريع إنتاج الصور والمحتوى التحريري، ما خفّض تكاليف إنتاج الصور بنسبة تصل إلى 90%، وقلّص زمن التنفيذ من أسابيع إلى أيام، كما توظف "Nike" التقنية في التصميم وتخصيص المنتجات.

وفي قطاع المجوهرات، عقدت "Pandora" شراكة مع "o9 Solutions"؛ لدمج بيانات الطلب والمخزون والتخطيط المالي ضمن منصة واحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بهدف تحسين دقة التنبؤ وسرعة اتخاذ القرار.

أما في عالم الفخامة، فقد طورت "Zegna" بالتعاون مع "مايكروسوفت" تطبيقاً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي لدعم مندوبي المبيعات بتوصيات مخصصة للعملاء - دون أن يحل محل التفاعل البشري.

وفي التسويق، يتجه التحول من إنتاج المحتوى إلى تنسيقه وإدارته، وبحلول 2030 يمكن أتمتة نحو 22% من مهام التسويق، خاصة في تطوير الاستراتيجيات وإنشاء الحملات وتحليل الاتجاهات، حيث باتت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على رصد "الميكرو ترند" عبر الاستماع الاجتماعي، وتحويلها إلى قرارات عملية تتعلق بالمخزون وأولويات الحملات.

لكن هذا التقدم يرافقه تحدٍ أساسي: الحفاظ على مصداقية العلامة وثقة المستهلك في عصر الأصول المُولّدة بالذكاء الاصطناعي.

إعادة تصميم الوظائف 

التحول لا يتعلق بإضافة تقنية جديدة إلى سير العمل القديم، بل بإعادة هندسة العمليات بالكامل، فالأتمتة تُعيد تشكيل وظائف المكتب الخلفي، من المحاسبة إلى إدارة الرواتب، بينما تتغير طبيعة العمل من إدخال البيانات إلى حل المشكلات والبرمجة وتحليل النتائج.

غير أن العوائق لا تزال قائمة وتتمثل: في ارتفاع تكاليف التنفيذ، تشتت الأنظمة القديمة، نقص الخبرات الداخلية، وغموض قضايا الحوكمة والأخلاقيات. 

ويؤكد 60% من القادة أن الثقافة المؤسسية تمثل العقبة الأكبر أمام التغيير.

فجوة المهارات.. التدريب الحل

الموظفون أنفسهم متعطشون للتدريب، فنحو 47% من العاملين في قطاع السلع الاستهلاكية والتجزئة في الولايات المتحدة يرون أن التدريب هو العامل الحاسم لتبني الذكاء الاصطناعي، لكن قرابة نصفهم يشعرون بأن الدعم الذي يتلقونه لا يتجاوز المستوى المتوسط.

وأصبح من المهم إتاحة برامج عملية موجهة، سواء لاستخدام الأدوات العامة أو التطبيقات المتخصصة، مع دمج سلس للذكاء الاصطناعي في سير العمل اليومي.

في سباق التبني، تواجه شركات الأزياء منافسة شرسة من شركات التكنولوجيا الكبرى على الكفاءات الرقمية، لذلك بدأت مجموعات مثل "LVMH" في بناء فرق مركزية من علماء البيانات والمهندسين لدعم علاماتها التجارية.

والآن يتزايد الطلب على مهندسي تدفق المنتجات، واستراتيجيي التسويق المتكامل، ومصممي تجربة المستهلك، وخبراء جودة البيانات والتوائم الرقمية، ولم تعد الرواتب وحدها كافية لجذب هذه المواهب؛ بل أصبح الابتكار والفرص الإبداعية عنصرًا أساسيًا في عرض القيمة للموظفين.

خارطة الطريق 

في هذا السياق، أصبحت الرسالة أكثر وضوحاً بأنه: "على قادة الأزياء جعل الذكاء الاصطناعي أولوية استراتيجية، بدءاً بالعمليات ذات القيمة العالية وسهلة التنفيذ، ثم إعادة استثمار المكاسب في تطوير المنتج وتجربة العميل".

لكن النجاح لن يتحقق من دون إدارة تغيير فعّالة تعزز ثقافة الانفتاح والتجريب، وتمنح الفرق شعورًا بالملكية تجاه التحول.