الأربعاء 21 مايو 2025 / 11:41

هل يمهّد رفع العقوبات لتحول سياسي في سوريا؟

تناول سيث جاي فرانتزمان، الباحث في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" الأمريكية، أبعاد التحول اللافت في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا، في ضوء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رفع العقوبات المفروضة على دمشق، ولقائه لاحقاً بالرئيس السوري الجديد أحمد الشرع خلال زيارته إلى السعودية. 

نجاح هذا المسار يظل رهناً بالتزام الشرع بإصلاحات جادة

وصف الكاتب في مقاله بموقع مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية هذه الخطوة بأنها منعطف دبلوماسي جريء وفرصة استراتيجية لاستعادة نفوذ واشنطن في بلد مزقته الحرب وتتنازع عليه القوى الإقليمية والدولية.

فجر سياسي جديد في دمشق

يتصدّر المشهد السوري الجديد أحمد الشرع، القائد السابق لتنظيم "هيئة تحرير الشام"، الذي تمكن من دخول دمشق في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بعد انهيار نظام بشار الأسد، منهياً بذلك خمسة عقود من الحكم عائلة الأسد. 

وعلى الرغم من أن ماضي الشرع مرتبط بتيارات متطرفة، إذ سُجن في العراق بسبب دعمه لتنظيم القاعدة، فقد سعى لاحقاً لتلميع صورته عبر تحويل "هيئة تحرير الشام" إلى كيان سياسي حاكم في محافظة إدلب، ومن ثم إلى نواة لحكومة انتقالية جديدة.

وشَكّل الشرع حكومة انتقالية تضم وزراء من مختلف الطوائف والأقليات، من ضمنهم امرأة مسيحية وأعضاء من الطائفة الدرزية والكردية والعلوية، في مسعى واضح لتقديم صورة منفتحة وشاملة لقيادته الجديدة.

منطلقات التحول  

وأوضح الكاتب أن قرار ترامب برفع العقوبات وفتح قنوات التواصل مع دمشق لم يأتِ بمعزل عن تنسيق مع قادة إقليميين بارزين، وعلى رأسهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

كما أعقبت هذه الخطوة زيارة ناجحة إلى سوريا قام بها عضوان في الكونغرس الأمريكي، مما يعكس استعداداً سياسياً داخل واشنطن لإعادة النظر في علاقتها بدمشق.

وأشار الكاتب إلى أن اهتمام ترامب بسوريا يرجع إلى ولايته الأولى، حيث كان قد أبدى رغبته في تقليص الوجود العسكري الأمريكي فيها، حين سعى إلى سحب القوات الأمريكية التي دعمت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في معركتها ضد تنظيم داعش. 

وشكل هذا الوجود المحدود أداة تأثير فعالة لواشنطن، رغم معارضة روسيا وإيران وتركيا له، لا سيما أن أنقرة تعتبر قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني المحظور.

وأدت تحولات جديدة برزت في هذا الملف، أبرزها إعلان حزب العمال الكردستاني عزمه على حلّ نفسه، إلى تشكل وضع قد يزيل إحدى العقبات في العلاقات الأمريكية- التركية.

كما أن اللقاء الذي جمع بين قائد "قسد" مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع في مارس (آذار) 2025 أسفر عن اتفاق يقضي بدمج قوات قسد ضمن الأجهزة الأمنية السورية الجديدة، وهو تطور يُمهّد لسحب القوات الأمريكية دون خسارة النفوذ الميداني.

نفوذ أمريكي بأدوات محلية

ووفق الكاتب، فإن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ترتكز على تقليص الاعتماد على القوات المباشرة، مقابل الاستفادة من النفوذ الذي تحققه القوى المحلية المدربة أمريكياً. فقوات "قسد" تتمتع بكفاءة عالية وتضم وحدات نخبوية في مكافحة الإرهاب، فيما يلعب "الجيش السوري الحر"، المدعوم من واشنطن ويتمركز في الجنوب السوري، دوراً في حفظ الاستقرار قرب الحدود العراقية.

وبعد إعلان ترامب رفع العقوبات، عبّرت هذه القوى المحلية عن ترحيبها، واصفة الخطوة بأنها "فرصة عظيمة لإعادة الإعمار ودعم الاستقرار والأمن".

كما أن انفتاح دمشق على واشنطن من شأنه الحد من ارتهان سوريا لروسيا والصين وإيران، الذين ملأوا فراغ النفوذ الأمريكي في السنوات الماضية.

الشرع بين تطرف الماضي وواقعية الحاضر

رغم محاولاته المتكررة لتقديم صورة إصلاحية، يظل أحمد الشرع شخصية معقدة، مثقلة بتاريخ من الصلات بتنظيمات متطرفة.

ورأى الكاتب أن أسلوب الشرع في موازنة علاقاته الإقليمية – مع تركيا وقطر والسعودية والإمارات – يكشف فهماً عميقاً لدروس الحرب الأهلية الطويلة. فخلافاً للمناطق الواقعة تحت السيطرة التركية والتي تعاني من الفوضى، يبدو الشرع عازماً على عدم السماح لأي دولة بفرض وصايتها على القرار السوري.

مع ذلك، لا تزال البلاد منقسمة، والتحديات أمام الحكومة الانتقالية جسيمة، فإعادة دمج المناطق المختلفة، وبناء مؤسسات مستقرة، وضمان شمولية الحكم، كلها مهام تتطلب وقتاً وتعاوناً دولياً مدروساً.

 نافذة أمل 

وخلص فرانتزمان إلى أن الخطوة الأمريكية تمثل فرصة نادرة لإحداث تغيير إيجابي في سوريا. فمع قيادة جديدة أكثر انفتاحاً وقوات محلية مدربة من قبل الولايات المتحدة وتبدل في الوضع والطابع الإقليمي، قد يتمكن السوريون أخيراً من الخروج من نفق الحرب. لكن نجاح هذا المسار يظل رهناً بالتزام الشرع بإصلاحات جادة وباستمرار الدعم الأمريكي الذكي غير المكلف.

فكما أثبتت تجارب الماضي، فإن الفراغ في السلطة لا يظل فراغاً طويلاً، بل تملؤه قوى غالباً ما تفتقر إلى الرغبة في تحقيق السلام. وإذا ما أُحسن استثمار هذه اللحظة التاريخية، فقد تشهد سوريا بداية جديدة، تؤسس لأمن مستدام وتنمية حقيقية، حسب الكاتب.