جنديان إسرائيلان على الحدود السورية (أرشيف)
الأربعاء 16 يوليو 2025 / 21:50
شهدت الساحة السورية في الساعات الـ48 الماضية، تصعيداً عسكرياً وأمنياً خطيراً، في محافظة السويداء الجنوبية، وشمل تكثيفاً غير مسبوق للغارات الإسرائيلية، في تطور جديد للتوترات الإقليمية والداخلية التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد وتشكيل حكومة انتقالية، بالتزامن مع تساؤلات عن حرص إسرائيل على التدخل في سوريا، رغم إنهاك جيشها في غزة، وبعد حرب استمرت 12 يوماً ضد إيران.
تعود أسباب اندلاع الاشتباكات إلى مواجهات عنيفة اندلعت بين قوات الجيش السوري والفصائل المحلية المسلحة من الطائفة الدرزية بالمحافظة، والتي تصاعدت بشكل حاد في محيط مبنى المحافظة وقيادة الشرطة والمستشفى الوطني، وسط استغاثات مدنية وعاملين في القطاع الصحي بعد وصول القتال إلى المشفى.
وأعلن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، أمس الثلاثاء، عن وقف إطلاق النار بالتنسيق مع زعماء الدروز، إلا أن رئيس الطائفة الدرزية، الشيخ حكمت الهجري، اتهم القوات السورية بنقض العهد، ودعا إلى التصدي لها، مؤكداً أن البيان المرحب بدخول قوات الجيش والداخلية صدر تحت ضغوط من دمشق وجهات خارجية، مما يشير إلى أن التوتر لم يقتصر على خلافات عسكرية فحسب، بل يمتد إلى خلافات عميقة بشأن السيادة والسلطة على المحافظة.
تصاعد الأحداث
قُتل ما لا يقل عن 116 شخصاً خلال هذه المواجهات، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى إصابة المئات، مع غياب أرقام دقيقة حتى الآن، وهذه الأرقام تعكس حجم العنف غير المسبوق الذي تشهده المحافظة، وبالإضافة إلى ذلك نفذت القوات الإسرائيلية عدة غارات جوية على أهداف في محافظة السويداء ومحيط المشفى الوطني، في محاولة لإسرائيل ردع تقدم الجيش السوري داخل المدينة، والأكثر لفتاً للانتباه كان القصف الإسرائيلي لمقر هيئة الأركان في دمشق، وسماع دوي انفجارات قرب وزارة الدفاع السورية، كما استهدف قصف إسرائيلي رتلاً أمنياً سورياً متجهاً للسويداء، ما أدى لمقتل 3 عناصر من الأمن الداخلي السوري.
تهديدات إسرائيلية
نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية تهديدات من قبل تل أبيب باحتمال التدخل البري حال لم تنسحب القوات السورية من السويداء، في الوقت الذي شنت فيه إسرائيل نحو 480 ضربة جوية خلال 48 ساعة على مواقع استراتيجية في سوريا، واستهدفت هذه الضربات مخزونات أسلحة ومنشآت عسكرية وبطاريات صواريخ وسفن تابعة للبحرية السورية، إضافة إلى مطارات ومراكز إنتاج عسكري، وبررت إسرائيل ذلك بمنع سقوط الأسلحة بيد تنظيمات مسلحة، وصرح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن بلاده مصممة على "تدمير القدرات الاستراتيجية" في سوريا ولن تسمح بقيام كيان يهدد حدودها.
كما توسعت المواجهات إلى شمال غرب البلاد، ولم تقتصر على التصعيد في الجنوب السوري فقط، حيث شنت فصائل بقيادة هيئة تحرير الشام هجوماً كبيراً على مواقع الجيش السوري شمال حلب، ما أدى إلى سيطرة جزئية وقتلى في صفوف الطرفين، في أول تقدم من نوعه منذ عام 2020.

ماذا تريد إسرائيل؟
تبرر إسرائيل تدخلها في السويداء وجنوب سوريا بعدة أسباب واعتبارات أمنية واستراتيجية إقليمية، وعلى حد مزاعم تل أبيب، فإن أول الأسباب منع تموضع القوات السورية هناك، حيث أعلنت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، أن التدخل جاء لحماية الطائفة الدرزية في السويداء، زاعمة وجود "رابطة أخوة عميقة مع الدروز في إسرائيل" وروابط عائلية وتاريخية مع دروز سوريا.
في الوقت نفسه، بررت إسرائيل قصفها لمواقع وتحركات الجيش السوري بأنه رد على "إدخال قوات وأسلحة بشكل مخالف لسياسة نزع السلاح المتفق عليها جنوب سوريا"، حيث تعتبر تل أبيب وجود القوات المسلحة السورية جنوب البلاد تهديداً مباشراً لمصالحها الأمنية، خصوصاً مع توسع الاشتباكات وإمكانية انفلات السلاح أو تسلل جماعات معادية إلى الحدود مع الجولان المحتل.
ومن الأهداف الإسرائيلية الواضحة، فرض منطقة عازلة، وتأمين الحدود الشمالية، حيث تستغل تل أبيب تطورات الجنوب السوري كفرصة لإعادة رسم الوضع الميداني في محيط الجولان، فضلاً عن تثبيت منطقة عازلة فعلية تمنع اقتراب أي قوات نظامية أو حليفة لإيران وحزب الله من الشريط الحدودي، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات حول ترسيخ وجود عسكري دائم في الجنوب السوري، في استغلال واضح للهشاشة الأمنية والساسية الراهنة في البلاد.
تفتيت سوريا
ويرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن التدخل الإسرائيلي في سوريا يتجاوز مسألة حماية الأقليات أو وضع الدروز، ويُشير إلى أن هذا التدخل يُمثّل محاولة لتفتيت الدولة السورية بصورة أو بأخرى، وفتح المجال أمام إقامة دويلات للطوائف المختلفة كالدروز والعلويين والأكراد، مؤكداً أن المخطط الإسرائيلي يهدف إلى تقسيم سوريا إلى "كانتونات"، وهو مشروع قديم جديد يتكرر بشكل أو بآخر.
ويؤكد فهمي أن الحكومة الإسرائيلية تسجل حضوراً كبيراً في هذا المخطط، وإذا نجح مشروع التقسيم، فسيُفتح المشهد أمام "الأثنيات كاملة" في الفترة القادمة، وهذا يعني أن الحدود التي ارتُسمت بالدم في سوريا طوال الحرب والمواجهات الحالية ستسمح بمزيد من هذا التدخل، والأمر الأكثر خطورة، وفقاً لفهمي، هو أن مخطط للأقليات تسعى إسرائيل للانتقال به من سوريا إلى العراق ومن العراق إلى تركيا وغيرهما.
ويختتم فهمي تصريحاته بالقول إننا أمام مشهد "مفتوح لن يقتصر على دعم الأقلية"، خصوصاً مع عسكرة الأزمة وفشل النظام السوري في إقرار الأمن، موضحاً أن هذا يُعد اختباراً قاسياً للنظام السوري، لكن تقديراته تشير إلى أن النظام "لن يستطيع أن يقوم بأي استراتيجيات مجابهة في التعامل مع التدخلات الإسرائيلية في سوريا، وخصوصاً مع فتح ملف الأثنيات والعرقيات في هذا البلد".
طموح متعدد الأوجه
أما ياسر مناع الخبير في الشؤون الإسرائيلية، يقول إن التحركات الإسرائيلية المتسارعة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد تعكس طموحاً استراتيجياً متعدد الأوجه، موضحاً أن تدخل تل أبيب يتجاوز مسألة حماية الدروز إلى أهداف أبعد. وقال مناع لـ"24"، إن إسرائيل تسعى لاستغلال الفراغ الأمني لترسيخ سيطرتها على الحدود الشمالية عبر إنشاء منطقة عازلة دائمة، وهو ما يتضح من رفضها الالتزام باتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 ودفعها بقواتها نحو الجولان.
حزام أمني
ووفقاً لمناع، يُضاف إلى ذلك سعي إسرائيل لبناء "حزام أمني" من خلال استمالة الطائفة الدرزية السورية، ليس فقط كخط دفاع أمامي، بل كحليف موثوق يمكن الاعتماد عليه في مواجهة أي تهديدات مستقبلية، وهذا الاستقطاب لا يقتصر على الدعم الإنساني والمالي، بل يمتد إلى ربطهم اقتصادياً وربما عسكرياً بإسرائيل، ويرى شديد أن هذه السياسة تهدف في النهاية إلى تقويض وحدة الدولة السورية الجديدة وتشجيع النموذج الفيدرالي الذي يقسم سوريا إلى كيانات إثنية، مما يخدم المصالح الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة.