(أرشيف)
الجمعة 8 أغسطس 2025 / 20:05
تشهد إيران أزمة حادة في إمدادات المياه والكهرباء ازدادت بسبب موجة حر غير مسبوقة، ما دفع السلطات إلى اتخاذ تدابير عاجلة لتقليل الاستهلاك.
وأعلنت شركات المياه أنّ طهران تمرّ بأسوأ موجة جفاف منذ 60 عاماً، وقد تُؤدي ندرة مياه الشرب إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية خطيرة إذا لم تُتخذ أي إجراءات لعكس هذا الاتجاه.
اعتراف رسمي
ويرى محللون أنّ جذور الأزمة الحالية لا تعود فقط إلى العوامل المناخية، بل أيضاً إلى سنوات من سوء الإدارة، والفساد، والمشاريع غير المدروسة التي نفذتها مؤسسات تابعة للحكومات السابقة، خصوصاً فيما يتعلق ببناء السدود ونقل المياه.
ونبّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى أنّ الوضع أكثر خطورة مما يُعتقد، مُحذّراً من انهيار بيئي إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة. كما أقرّ بأنّه "إذا استمر الحال على هذا المنوال، فلن نتمكن قريباً من إمداد طهران بالمياه على الإطلاق".
وتُظهر الأزمة الحالية تقاطعاً خطيراً بين التدهور البيئي والشلل في البنية التحتية، ما يُنذر بعواقب اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق.
وفي بلد كبير تبلغ مساحته 1.6 مليون كيلومتر مربع، وعدد سكان تضاعف أربع مرات في 60 عاماً فقط، تتطوّر احتياجات الري ومياه الشرب بوتيرة سريعة، فيما لم تعد الأمطار كافية لتجديد منسوب المياه الجوفية. وفي ذات الوقت يُؤدّي نقص المياه إلى هبوط الأرض في جزء كبير من البلاد.
وفي ظلّ انخفاض منسوب المياه في الخزانات بشكل غير مسبوق، تدعو الحكومة الإيرانية السكان إلى ترشيد استهلاك المياه في العاصمة وجميع أنحاء البلاد. ويصف الخبراء الوضع بأنّه مُثير للقلق، ويدعون السلطات إلى تطبيق إصلاحات هيكلية في قطاعي الصناعة والزراعة.

عقود من سوء الإدارة
ومع الموجات الأخيرة من الحرّ الخانق في العاصمة المُزدحمة، يستيقظ السكان في بعض الأحياء وقد جفّت صنابير المياه. ويتزايد الإحباط من آثار شحّ مياه الشرب، الذي أصبح ظاهرة يومية خاصة في الطوابق المرتفعة من المباني.
ويشتكي السكان من الإجراءات غير المدروسة التي اتخذتها السلطات، خاصة إعلانها عن عطلات رسمية إضافية في يوليو (تموز) الماضي بسبب الحر الشديد والحاجة إلى ترشيد استهلاك الماء والكهرباء، حيث اعتبروا ذلك مُجرّد قرارات للتهرّب من المسؤولية.
وفقاً للبيانات الرسمية، فقد انخفض حجم المياه المُخزّنة حالياً في سدود طهران إلى حوالي 14% من سعتها، وهو مستوى مُنخفض تاريخياً يُثير قلق المسؤولين والسكان.
وبالمُقابل، تُلقي الحكومة الحالية باللوم على الحكومات السابقة. وتقول فاطمة مهاجراني المُتحدّثة باسمها "نواجه اليوم نتيجة عقود من سوء الإدارة، والتنمية غير المتوازنة، والاستخراج المُفرط، وانخفاض الاستثمار في البنية التحتية، وعدم مواءمة السياسات الزراعية والصناعية مع القُدرة الحقيقية للبلاد على التكيف مع المُناخ".

ترشيد وتحذير الأسر!
في ظلّ غياب خطة لزيادة إمدادات المياه، تُصرّ الحكومة على ضرورة مُعاقبة المُفرطين في الاستهلاك، وإلزام السكان بتركيب خزانات ومضخات. وتأتي هذه التوصيات في وقتٍ تُشكّل فيه مصادر المياه المحلية السطحية والجوفية 94% من إمدادات طهران المائية. ولم تزد هذه الموارد رغم تضاعف عدد سكان العاصمة منذ تسعينيات القرن الماضي.
ويقول الخبراء إنّ التركيز فقط على ترشيد وتحذير الأسر لن يحل أي مشكلة، إذ يجب إصلاح هيكل حوكمة المياه جذرياً. ويُشير علي يافاري، الباحث في مجال الطاقة في إيران، إلى أنّه "لعقود، فضّل صانعو السياسات إنكار الأزمة أو تأجيلها بدلاً من مُعالجتها وإصلاح الهياكل. ويدفع المواطنون ثمن هذا التأخير، الذي سيزداد في المستقبل". وهو يرى أنّه من الضروري بشكل خاص مُراجعة أنماط استهلاك المياه في الزراعة والصناعة، وهما قطاعان تطورا في مناطق لم تكن تتوفر فيها موارد كافية قط.
إدارة غير مُستدامة للمياه الجوفية
في العقود الأخيرة، وتحت ستار الاكتفاء الذاتي، أنشأت الحكومة مشاريع صناعية وزراعية ضخمة في المناطق القاحلة، دون تقييم سليم للموارد المائية، أو الأثر البيئي، أو الاستدامة. ويرى يافاري أنّه "للتغلب على هذه الأزمة، لا بدّ من إصلاحات جريئة، مثل حظر الزراعة في المناطق التي تفتقر إلى موارد مائية كافية، أو حظر المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، أو نقل الصناعات الثقيلة من المناطق الحيوية".
يُشير بحث أجرته جامعة كونكورديا إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الأراضي الإيرانية تُعاني من نضوب مُفرط للمياه الجوفية، حيث يتم سحب المياه بوتيرة تفوق بكثير سرعة إعادة ملء الخزانات الطبيعية. ويُعزى هذا النضوب أساساً إلى الإفراط في السحب لأغراض الزراعة، التي تعتمد على تقنيات غير فعّالة وتستهلك نحو 92٪ من المياه العذبة المتوفرة، في حين يُظهر القطاع الزراعي في إيران إنتاجية منخفضة جداً مُقارنة بالمعايير العالمية.

وأفضى ذلك إلى زيادة ملوحة التربة وانتشار ظاهرة هبوط الأرض وأحياناً تشكّل تجاويف تحت سطح الأرض، وخاصة في حوض بحيرة الملح الذي يضم طهران، حيث يتركز حوالي 15 مليون نسمة من السكان، بالإضافة إلى خطر زلزالي مرتفع.
ويُحذّر الباحثون من أنّ استمرار هذه الإدارة غير المُستدامة للمياه الجوفية قد يؤدي إلى آثار بيئية غير قابلة للمُعالجة، وهو ما يُهدد الأمن المائي والغذائي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد.